ذو القرنين.. وعيٌ مطمورٌ بالوهم

شكّلت قصة ذي القرنين لغزا لدى المفسّرين والمشتغلين بالقرآن الكريم، لكن حين نتلمّس القصص القرآني كنموذج معبّر عن واقع الإنسان ومشكلاته، فإنه يُمكن فحص ودراسة هذه القصص كظاهرة تفاعليّة حيّة غير منفكة عن جوهر حاجات الإنسان ومكابدة قضايا واقعه وسبُل تطوّره، لنعثر في ثناياها على مكوّنات الوعي ومحصلات المعارف، ومن ثمّ نحاول إسقاط قيمها على حالات معاصرة، لصناعة مستقبل آمن أو اجتياز حاضر مرير.

يمثّل “ذو القرنين” أنموذجا لمسيرة مُصلح على المستوى الإقليمي، الساعي لحلّ النزاعات ومكافحة الجهل ولجْم الظلم والفساد، فقد قضى “ذو القرنين” على الجهل بالتعليم النزيه من المطامع، وواجه الظلم بقوّة القانون والإصلاح، ودرأ الفساد والبغي بالردع وتمكين المستضعف من أدوات اقتداره، يتكشّف هذا متى تمّ تفكيك طلاسم القصّة بفهم منطق آياتها، وإزاحة ما تراكم من فوضى اعتقادية وثقافية وتصوّرات خرافيّة أنتجتها آراء المفسّرين والمفكّرين حول محكيّة “ذي القرنين”.

سيتجلّى لنا في قصص جولات ذي القرنين ثلاثة أشكال من مشاكل العالم العالقة اليوم:

1- النماذج البدائية التاريخية لنُظُم الهيمنة والاجتياح والاستبداد، التي تطوّرت أدواتها اليوم، لكنّ فكرة الاعتداء التي تغذّي روحها واحدة، فأنظمة الغزو والسلب مثّلت روحَها حركة “يأجوج ومأجوج” المفسدة في الأرض.

2- أنظمة إذكاء الفتن الداخلية، وإشعال الحروب الأهلية والطائفيّة، مثّل نموذجه قومُ المجتمع مسدود الأفق، حيث “مغرب شمسِ” سلامه، وشيوع الظلمة والظلم والاعتداء، بدل العدل والصلاح.

3- نُظم الجمود على البداوة والتخلّف، حيث تحكّمُ الأعراف القبلية والعشائرية، وعدم توطين العلم، مثّلتها منطقة “مشرق الشمس” التي لم تشرق عليها شمسُ العلم وقوانين المدنيّة.

قصة ذي القرنين- سورة الكهف

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)

من هو ذو القرنين؟

تبدأ الآيات بـ”يسألونك عن ذي القرنين” ما يعني أنّ ذكرَ ذي القرنين جاء بناء على سؤال موجّه للنبيّ (ص) من قبل مُعارضيه بمقترحٍ من اليهود عن رجلٍ تاريخيّ ملك المشرق والمغرب! وبما أنّ ذكر ذي القرنين ورد في تراثهم الشفويّ فغايتهم إحراج النبيّ (ص) وتعجيزه عن الجواب لتفنيد اتّصاله بالغيب (نبوّته)، فاستجاب الوحي للتحدّي وأكثر: “قلْ سأتلو عليكم منه ذكراً“، مكتفياً بذكر ثلاث قضايا كعيّنات على جولاته الإصلاحية، إذ دأب القرآن الكريم أن يذكر طرفاً من القضايا بما يتناسب مع ظرف النزول الرسالي وقضاياه (موافقة النصّ للواقع)، ثمّ ليستفيد من تعاليمها وقيمها بعد ذلك كل من يعتبر القرآن الكريم مرجعاً له، ولقد كانت استجابة الوحي في حدّ ذاتها لطمة للقرشيّين لأنّه يُعرّض بهم كيأجوج ومأجوج ذاك العصر، إلى جانب تضميناته رمزيّات أخرى هي خارطة طريق النبوّة في مسارها الإصلاحي.

يذكر القرآن “ذا القرنين” بلقبه ويُعرض عن التعريف بشخصه، ثم يذكر مباشرة بأنه مُكّن له في الأرض ولا يعني هنا كوكب الأرض كما ظنّ مفسّرون وباحثون، بل أرض الرسالات التي كان يتواجد ويتنقّل فيها، المتموضعة بين جبال السراة الممتدة غرب شبه جزيرة العرب من الشام إلى اليمن، ومن هنا جاءت تسميته بـ”ذي القرنين” لأنه بلغ وتحرّك في المنطقة بين سلاسل جبال المشرق وسلاسل جبال المغرب، والتي تستقرّ بين قرني ثور وفق الأساطير (أي بين جبال بركانية “ثائرة”: قبيس، نور، ثور/طور..الخ)، أو ما عُرف في التراث بجبال “بن بن”.

فذو القرنين هو أحد ملوك اليمن الأشدّاء[1]، كداود وسليمان، واسمه “أسكندر” أيْ آس كندر، خلاصة عطر الكندر (السدْر)، كان مصلحاً ربّانيّاً جوّالا في الأرض العربيّة مهد الرسالات، مثل الخضر(ع)، إلاّ أنّه لا يتحرّك وحيداً كما الخضر، بل يجرّ وراءه جيشاً جرّاراً، فهو يمثّل بلغة اليوم قّوة تدخّل سريعة، أوتيتْ مِن مختلف العلوم والكفاءات لإنجاز متعدّد المهام، بحيث تستطيع أن تتنقل مِن منطقة إلى أخرى لتحلّ مشاكل الأقوام المختلفة، وقد لخّص القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا).

معنى “فَأَتْبَعَ سَبَبًا”

رأى المفسّرون بأنّ معناها “الأخذ بالأسباب الموصّلة للغايات”!، وقال أحدُ المعاصرين أنّ عبارة “أَتْبَعَ سَبَبًا” بمفردها تدلّ على السفر في الفضاء، وذلك لأنها لم تُستخدم في القرآن إلاّ بهذا المعنى!

مع أنّ القرآن وكلام العرب لم يخصّص السبب بالسماء، وإلاّ لما احتاج لذكر “السماء” كقيد في الموارد التي استعملها لها (“أسباب السماوات“)، وأنّ ذا القرنين كان يسحب معه جيشاً جرّارًا فما هي الوسيلة وبأيّ سلطان نفذ إلى كواكب السماوات؟ عدا أنّ الأسباب ليست دائماً وسائل مادية فقد تكون معنوية، فأهل الخسران في الآخرة “وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ (البقرة-166) من روابط الودّ المؤقّت والقرابة والنصرة الزائفة، وأخيراً فإنّ الآيات التي تلت قوله “فَأَتْبَعَ سَبَبًا” تتحدّث عن ذهاب ذي القرنين إلى أقوام يشتكون ويتكلّمون معه بنفس اللغة، فكيف صاروا كائنات فضائيّة؟! بل كيف لإنسانٍ أنْ يُوجِد قبل أربعة آلاف سنة مركبات فضائية عالية التقنية دون بنية معرفية متراكمة؟ ويُسافر ليعالج قضايا كائنات غريبة ومجتمعات الأرض وحروبهم ومشاكلهم وبداوتهم وهمجيّتهم لم تُحلّ بعد؟! ثمّ تتبخّر هذه التقنية الصناعية الترحاليّة دون ترْك أثر ويعود العالَم ومعه أشرف أنبيائه إلى الوسائل المتخلّفة الخيل والبغال والحمير ليركبوها أربعين قرناً!

ذكرنا أنّ ذا القرنين مصلحٌ جوّال، متأهّب لكلّ بؤرة، كسليمان (ع)، سريع التحرّك والاستجابة مع أو ضدّ “الدواعي/الأسباب”، فمرّةً يبلغه عن منطقة ذات نزاعات داخلية فيتّبع الداعي (أتبع سببا) لبسط العدل والسلام هناك (رمزيّة هذا وإسقاطه رساليّاً للنبيّ كان حلّ نزاعات الأوس والخزرج)، ومرّة تأتيه الأنباء بـ “داعٍ” آخر لقوم محرومين من نعمة الحضارة والعلم، فيتّبع الداعي ليُعلّمهم أحكام التمدّن (رمزيّة هذا وإسقاطه رساليّاً كان حالة الأعراب)، ومرّة تأتي الدواعي جهة مستضعفين مستباحين ليُعلّمهم سبل حماية أنفسهم مِن أصحاب الغارات اليأجوجيّين (رمزيّة هذا وإسقاطه رساليّاً كان قريش واليهود)، (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) هي خارطة تحرّكه اليوميّ وجدول أعماله، كلّما استدعى (سببٌ) مناسبٌ لتحرّكه الإصلاحي (تابَعَه) وانطلق (طبيبٌ دوّارٌ بطبّه..).

جولات ذي القرنين ومواطئ إصلاحه

إنّ جولاته الهادفة لا يمكن إحصاؤها، لأنّه منذورةٌ حياتُه للإصلاح، لكنّ القرآن اكتفى بثلاثة نماذج، اختصاراً، ولأهمّيتها، ولتنوّعها، ولأنّ لها مكافئ عمليّ في عصر الرسالة، وهو سبب نزولها.

ويمكن تلخيصها بلغة اليوم، كالتالي:

  1. إصلاح الأوضاع الاجتماعية، وحلّ الخلافات والنزاعات، وتأسيس القوانين الناظمة لحياة السلام.
  2. نشر العلم ضدّ الجهل والتخلّف والبداوة والأمّية بأنواعها (انظر: لا تعرّبَ بعد الهجرة).
  3. محاربة الفساد الدوليّ والعدوان بين أمم الأرض، وتحصين الشعوب الضعيفة وتمكينها لحماية نفسها.

أوّلاً: رحلته غرباً

فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)

تبدأ رحلته الأولى جهة الغرب (الجبال المطلّة على البحر الأحمر)، حيث بلغ منطقة طينية ذات عيون بركانية، حيث مشهد الشمس تغرب في تلك العيون، لا بمعنى أنّها تسقط في البحر أو في العيْن كحفرةٍ، لتخرج من الجهة الثانية صباح اليوم التالي (كما زعموا!)، أو أنّ الشمس نفسها تغيب وهي حارّة كما اقترح البعض أنّ “عين حمئة” هي “عين الشمس” نفسها، أو أنّه “تراءى” لذي القرنين أنها تغرب في عين وهي ليست كذلك! كما ذكر آخرون! وإنما مشهد غروبها هو حيث تلك العيون البركانية الحارّة، فهذه لغة الناس: غابت الشمس وراء الجبل، نزلتْ خلفَ الأفق، غربت في البحر، احمرّت، كُسفت، ارفع الستائر لتدخل الشمس، أصيب بضربة شمس، طلعت الشمس..الخ.

ومن جهة أخرى تُومئ كِنائيّاً تلك الكلمات إلى شلل الوضع الاجتماعي والسياسي مَثار المشكلة، أنّه: حامٍ، ومُوحل، وشمسُ عدلِه غربت، فعبارة “تغرب في عين حمئة” لها دلالة رمزيّة ثانويّة على الحروب الطائفية أو النزاعات الأهليّة، ومِن هؤلاء القوم مَن مارس الظلم بحقّ الآخرين فعبّر عنه بـ”مَن ظلم”، ومنهم مَن “آمن وعمل صالحاً” أيْ آمن بالعيش المشترك وعمَل للإصلاح، فلم يبدّل أخلاقه رغم وجود الفتن ودواعي الظلم، رافضاً الوثوب على جاره، وقد فُوّض ذو القرنين بقوّته وبحكمته بالتصرّف الإصلاحيّ المناسب والمستدام لحالات كهذه “إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا“.

“قالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا” أيْ أنّ هناك مظالم كثيرة، قرّر معالجتها، ومحاسبة الظالمين بما يُناسبهم مِن تعذيب مادّي أو معنويّ، فالظالم لن يفلت من عقوبة جرائمه في الدنيا وينتظره عذاب الآخرة الأشدّ، حتّى لا يظنّ البعض أنّ على المصلحين متى تمكّنوا معاقبةَ الجُناة بأشدّ العقوبة في العدالة الانتقاليّة، كلاّ، بل يكفي ردعهم وإزالة آثار ظلمهم، والله كفيلٌ يقيناً بتعذيبهم يوم الحساب، هذا لترضى نفوس المظلومين وتتعوّض بما يُناسب الإصلاح لا بما يثير الثارات.

وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا“، من عمل بمقتضى إيمانه بقيم الصلاح والخير سيحصل جزاءه الذي يستحقّه في الآخرة، لهذا قدّم ثواب الآخرة، لأنّه هو الجزاء الحقيقي المناسب لإيمانهم وعملهم، أن يُكرَّموا من الله في دار كرامته، ولو أُخِّرت هذه العبارة لفقدت الآية حكمتها، لأنّ المؤمن المصلح يعمل بدافع داخليّ لا لأجل الأجر والسمعة والمركز والمقابل، فقدّم ما يُناسب نواياهم، التي كان محكّها وقت الفتنة واستشراء الظلم.

كذلك فات المفسّرين معنى: “وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا“، حيث قيل: أي أنّنا سنتعامل معهُ بالقول الحسن! وسنخفّف عنهُ ولن نجعلهُ يواجه المشاكل والصعاب! ولن نجبي مِنهُ ضرائب كثيرة”! متصوّرين أنّ الدعوة دينية محضة، وثمّة فئة ستكفر بدعوة ذي القرنين لتوحيد الله (!) وكفْرُها هو ظلمُها! وبالتالي سوف تُعاقَب بجباية الضرائب منها، أمّا أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات فسيُعفَوْن منها!

تصوّرات لا تتّفق مع منطق القرآن، ولا منطق الحياة، إذ كلّ أحدٍ ينبغي الإحسان إليه، وتكليفه اليسر، لا أنّه جزاء الصالح فحسب! فالآيات تتكلّم عن (فتنة) انقسم فيها الناس إلى “مَنْ ظلم” (بصيغة الماضي قبل حضور ذي القرنين) فيستحقّ الآن الكبْح والإبعاد، و”مَن آمن” (بصيغة الماضي) بقيم الخير والصلاح، فالقضيّة قضيّة إصلاح لا انتقام، فليس من المنطق حشرُ أنّه كافأهم بتكليفهم بما فيه يسرٌ! أو بإعفاء ضرائب عنهم! وكأنّ ذا القرنين الذي أكّد أنّه لا يريد “خرْجاً” مادّياً في القصّة الثانية ولا عوضاً، هو جابي ضرائب!

إنّ حقّ مَن أثبت جدارته في الأزمات بالمحافظة على إيمانه بقيمه، أنْ يُستعان به لديمومة الإصلاح، فقرّر ذو القرنين أنْ “يقول” لهؤلاء (الذين صلحوا حين فسَد الناس) “مِن أمره يسراً”، أيْ يُعلِّمهم مِنْ “أمره” (فنوناً إداريّة وعلوماً سياسيّة) ما “يُيسّر” عليهم القيام بدورهم الإصلاحي القادم في قيادة مجتمعهم الهشّ والأخذ بيده تجاه سلامه وبناء لحمته وتجاوز آلامه.

كما أنّ اقتصار ذي القرنين على القول (وسنقول له) دون الفعل (وسنفعل له)، تشي بأنّه لن يسرق دور أصحاب القضيّة، بل سيُمكّنهم ويُعينهم فحسب لأداء دورهم، فلم يستغلّ الحاجة والفتنة ليعلو، وإنما ذهب لإيقاف مسلسل التدمير والفساد، وسلّم المصلحين الأكفاء مِن أهلها دفّة قيادة مجتمعهم، وانطلق بعدها إلى حيث نداءٌ آخر للواجب.

ثانياً: رحلته شرقاً

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91)

ليس الشرق اليابان، أو جزر المالديف كما توهّم البعض، كما لم يكن الغرب نهاية العالَم القديم عند الأطلسي!

اتّجه شرقاً (مطلع الشمس) أي برّية السفح الشرقي مِن سلسلة جبال السراة، حيث العراء، ثمّة قوم من البدو يعيشون حياة نقيضة التحضّر، لم ينلهم تطوّر العمران فيحموا أنفسهم مِن لهيب الشمس بلباس مناسب وبيوت وخيام، في رمزيّة لما هو أكثر منها (بناء، دباغة، نسيج، استقرار)، فعالج بداوتهم بالتحضّر وتعليمهم كيف يستظلّون باللباس والمسكن، ويتمدّنون بقوانين المدنيّة.

(كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا).. هذه جملة يتجاوزها المفسّرون، أو يضعون بشأنها تعليقاً أشبه بالتجاوز، فيقولون: (والمعنى أنّ الله محيطٌ بأحواله لأنّه “لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء”)! ولا ندري ما فائدة هذا الكلام، وكأنّ ذا القرنيْن فعل جرْماً وأخفاه! إنّهم بهذا أيضا يجعلون القرآن مبتوراً، فلم ندرِ ما فعل ذو القرنين مع البَشر غير المتحضّرين، ربّما يكون أبادهم، ربّما شرّدهم (كما فعلت أمريكا بسكّانها الأصليّين)، لاسيّما وأنّهم يفسّرون الآية بما يحتمل هذا، بقولهم ملخّصاً: وجد ذو القرنين بشراً عراةً دون لباس وبيوت، ونحن أحطنا بما فعل بهم!

بينما الآية نفسها تُفسِّر ما فعله بهم، فما الذي فعله بهم؟

(كذلك) أي مثلما فعل عندما ذهب جهة “مغرب الشمس”، مصلحاً موجّهاً علّم أناسها كيف يتسامون على مشكلتهم ويصلحون أحوالهم، فإنّه جهة “مشرق الشمس” فعل الأمر نفسه، فعالج بداوتهم بالتحضّر، “وقد أحطنا بما لديه خبراً“، أي: السماء أحاطت “بما لديه” مِن قضايا، فأمدّته “بخبرات” مناسبة لعلاجها؛ خبرات زراعة، رعي، نسج، طبّ، تربية، سقاية، عمران، تشريع، سياسة، دفاع، وهي ذاتها “آتيناه من كلّ شيء سببًا“.

ثالثاً: بلوغه “بين السدّين”

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)

هنا مجموعة تعابير تَناقض فيها المفسّرون أيضاً مثل: “بين السدّين“، “لا يكادون يفقهون قولاً“، “يأجوج ومأجوج“، “فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً“، “فإذا جاء وعد ربّي“، “وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض“، حتى أصبح الردم سدّاً عند أكثرهم بل كلّهم، مع أنّ الآيات جليّة بأنهم طلبوا منه أن يجعل سدّاً وهو بدلاً أجابهم بأنّه سيجعل ردماً، ولكن معظم المفسّرين راحوا يبحثون عن “سدّ” مصنوع من الحديد والنحاس، وما زال الكثير يعتقد بوجوده ويفتّش عنه! مع أنّه لم يُوجَد قطّ ولو قلبوا العالَم كلّه.

اتّفقوا أنّ “بين السدّين” تعني منطقة بين جبليْن، وهذا صحيح، لكنهم اختلفوا في موقع الجبلين.. بما أنّ جَوَلان ذي القرنين في غرب جزيرة العرب، فمن الطبيعي أن يكون “بين السدّين” معبرا كالمضيق بين سلستي جبال (لاسيّما بوجود جبال في غامد تُسمّى السدّ)، هذه الجغرافيا جعلت القرى عند ذلك المعبر عرضة للانتهاك مِن جهتيْن “مُتأجّجتين” بالعدوان والغارات (يأجوج ومأجوج)، كما في حروب فارس والروم قديماً ووقوع الأمم الضعيفة رهائن حروبهما، وكما جرى قريباً بين الحلفاء ودول المحور في الحرب الكونية الثانية، فدفع ملايين الأبرياء الثمن كون أرضهم معبراً لليأجوجيّين والمأجوجيّين ليكونوا ضحايا الاستباحة والاجتياح منهما، طلبوا من ذي القرنين أن يحميهم على أن يدفعوا له مبلغاً من المال مقابل أن يصدّ (يسدّ) عدوان “يأجوج ومأجوج”، وقد وافق على خدمتهم دون مقابل مادّي (ما مكنّي فيه ربّي خيرٌ)، فلم يحتلّ أرضهم، لم يستهلك ميزانيّاتهم، ولم يشفط نفطهم ويُعسكر موانئهم ويرهنهم له، طلب منهم فقط أنْ يُعينوه “بقوّةً” من رجالهم المنذورين للحماية، ليعلّمهم ويُدربّهم كيف يصدّون المتأجّجين المفسدين والمعتدين، بواسطة ردْم.

قال المفسّرون في معنى: “قوماً لا يكادون يفقهون قولاً” بأنّه كناية عن بساطتهم وسذاجة فهمهم!

سبحان الله، كيف؟ وذهنيّتهم المعرفيّة استخدمت مفاهيم متقدّمة فتكلّموا عن يأجوج ومأجوج، والإفساد في الأرض، واقترحوا السدّ، والخَرْج، ويعرفون زُبَر الحديد، والقِطْر، ووفّروهما له، وأعانوه بقوّة في مشروع حلِّه، وهذا ينفي كونهم سُذّجاً.

إذن، ما علّة قلّة فقههم للقول والمقاصد؟

  1. أنّهم لم يفهموا الروح التي ينطلق منها ذو القرنين حين اقترحوا إعطاءه خرْجاً على واجبه، لأنّهم سطحيّون ظاهريّون (مادّيون)، فبينما هو شأنه الصالحُ العام، فإذا مستواهم العقليّ يجعلهم “لا يفقهون ما يقولون” بما لا يليق بشأنه أن يعرضوه عليه…
  2. إنّ غايتهم التي “لم يفقهوا التعبير عنها” هو حمايتهم، وليس إقامة سدّ، لكنّهم افترضوا أنّ الوسيلة عين الغرض! كحال كثيرين يَدمجون -مِن قلّة فقههم- الغايات بالوسائل، بل ربّما قدّسوا الوسائل دون الغايات، بل ربّما استغنوا بالوسائل وحدَها وأبّدوها!

ما هو الردم؟

فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)

بما أنهم كانوا معرَّضين للإغارة من جهتيْن لأنهم يسكنون قرًى على سفوح تشرف على ممرّ بين جبلين، فاختار مرتفعيْن “معترضيْن” “منيعيْن” “كمصدّيْن” طبيعييْن متقابليْن كمنصّة حماية و”ساوى بينهما” بجسر لانتقال الرُماة بينهما، ثم علّمهم كيف يصنعون الآلة الحديديّة التي ترجم (تردم) بِصخور النار والقطران عليهم مِن ناحية برجيْ الصدفيْن، هذه الطريقة قطعت على اليأجوجيّين والمأجوجيّين المُغِيرين طريقَ العبور وردّتهم خائبين..(ردّ، ردم، ردع).

فذو القرنيْن صنع العدّة والسلاح، ودرّبهم عليها (بمحاكاة عمليّة)، وتركهم وشأنهم، فقاموا بعدها بحماية أنفسهم بأنفسهم حين هاجمتهم قبائل الهمج لاحقاً، فردموهم، ورجموهم براجمات الحجارة والسهام والرماح، والقرآن اختصر هذه المشاهد كلّها.

“فإذا جاء وعد ربّي جعله دكاء”

“قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا”..

ما هو الوعد الحقّ؟ إنّه الساعة التي تتوحّد فيها مصائر البشر، الظالم بالمظلوم، وهذا يدلّ أنّ يأجوج ومأجوج بشرٌ خرجوا من إنسانيّتهم.

ما هي الرحمة هنا؟ إنّه الوسيلة التي وُضعت لحماية الأبرياء من اجتياح الظالمين، فإذا جاء وقت الساعة اندكّت هذه الفواصل وآلات الحماية والقلاع والحصون، وعاد الناس بشراً هَلِعين دون غرور ولا بطش واجتياح، يحكمهم فقط الفزعُ الأكبر الموحِّد، يموجون في بعضهم كخرافٍ وقد انتهت معاركهم ومآربهم الطفوليّة.

ولعلّ أحد أسباب اعتقاد المفسّرين أنّ “الردم” هو سدّ، هذه الآية ” فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء” فأرجعوا الضمير في (جَعَلَهُ) للسدّ (الذي في دماغهم) وظنّوا أنّ الدكّ سيناله وقت الساعة (مع أنّ السدود التاريخية كلّها انهارت منذ زمن)! غافلين أنّ وعد الله إذا أتى فكلّ شيء سيندكّ حتّى الجبال الرواسي، التي أين السدّ منها؟!

يأجوج ومأجوج:

إنّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض“.. هذا هو وصف القرآن الكريم لهم، وبالرجوع إلى جذر الكلمتين “يأجوج ومأجوج” نرى أنّ أصل الكلمة هو صوت (AG) “أج/أگ/أغ”، ومنها ظهرت دلالات كثيرة مثل “هـ ماج” (همج) وتعني ثوّر، واستفز،ّ ومنه التأجيج، أي أنّ هناك مُحرِّضاً على الفساد (وهم فاعل الأجّ والتأجيج) أي يأجوج، وهناك “مُحرَّض” مستفَزّ (وهم مفعول الأجّ، مؤجَّج) أي مأجوج.

إذن، يأجوج ومأجوج هي النفسيّة والعقليّة والحالة الهمجيّة الموجودة في كل المجتمعات، بعضُهم جنسٌ بشريّ قديم وُجد قبْل آدم، وبعضُهم جاء مِن ولد آدم حين تسلّلت لهم واستولت عليهم الهمجيّة الكامنة فيهم، وبهذا نُدرك تنوّع الروايات في جعل “يأجوج ومأجوج” مرّة مِن ولد آدم، ومرّة أخرى لا علاقة لهم بآدم وليسوا مِن الناس.

وفي عصرنا هذا، ستكون أجلى ما تكون في آخر الزمان حين تتحطّم قيَم الإنسان الفرد في البرامج الحشديّة الماسخة لكلّ جميل، برامج المادّة وتسليع البشر، وتضخّم الأنا الجمعيّة والفئويّات، والأديان المشوّهة، والمذاهب المتعصّبة، والطوائف المتناحرة…

– يأجوج ومأجوج زمن الرسالة هم طغاة قريش ومردةُ أهلِ الكتاب، الذين كانوا يُؤجّجون الناس في مكّة والطائف ويثرب وقبائل العرب، ويحرّضونهم على كلّ مصلح ثار ضدّ مصالحهم وبالأخصّ الرسول(ص) لاستئصاله، وقد جاءت الآية (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) (الأنبياء:96)، ليكون تنزيلها في قريش، وقد تمّ الأمر وقت الفتح، والآية ما زالت مفتوحة على تأويلٍ آخرَ الزمان، حيث يتقوّض الفساد المادّي العالميّ، ومعه الفساد الإقليمي المغذّي للصراعات، وتُفتَح مكّة كمركزٍ لسلام العالَم مرّةً أخرى.

– يأجوج ومأجوج اليوم، أكثر الحشود منزوعة القيَم في العالَم مهما كان دينها ومستوى تمدّنها المستبيحة للآخر، وأمثلُهم التكفيريّون من كلّ ملّة والكافرون بحقوق المختلف، وأمثالهم في التاريخ كثيرة، كالنازيين وهتلر، ومجرمي حرب الصرب ورئيسهم، وقبائل الهوتو والتوتسي وزعمائهم، وهولاكو والتتار، والحملات الصليبية، والخوارج، ومجرمي كربلاء، والاستكبار العالميّ وحلفائه، والطواغيت وأحزابهم البوليسيّة المفصّلة على مزاج الزعيم كنسخةٍ كاسحةٍ منه..الخ، لذلك من أشراط الساعة خروج يأجوج ومأجوج، وقد خرجوا وكثروا في كل مكان.

تلمّس الوعي من القصة للتعرّف على طبيعة المشاكل الحاضرة

إنّ تدخّل ذي القرنين كقوّة ضاربة بشئون أمم أخرى سوّغته ثلاثة دواعٍ وأسباب قابلة للاتّباع (فَأَتْبَعَ سَبَبًا):

1- لحماية أمّةٍ من غشامة قوى الطبيعة (حرّ، جفاف، قحط ومجاعة، فيضان، زلزال، كوارث ونكبات..)

2- لفضّ نزاعات أهليّة دمويّة وتمكين أهل صلاحهم لإدارة التحوّل فتتعايش الفئات ويستتب الأمن والسلام.

3- لحماية أمّة ضعيفة معتدى عليها من قبَل غُزاة همج لا يعرفون لقيَم السلام ولا أمان الآخر معنى.

إذ طوال التاريخ لم يحدث ذلك “التحرير المشروع” إلاّ بواسطة مصلحين أنبياء أو بقية أنبياء كذي القرنين وأشباهه، لا ليتسلّطوا على الناس، أمّا القوى العظمى فلم يكن لها قطّ نيّة إصلاح البلدان التي دخلتها (وإن طوّرتها مدنياً) وإنما ذهبت لنهب خيراتها وسرقة ثرواتها واستتباعها، وإن كان هذا الهدف لا يتحقّق إلاّ بالإبقاء على الجهل وتكريس الظلم والديكتاتوريّات فلا ضير، أو بنشر بعض العلم والاستتار بشعارات التحرير والعدل والصلاح والتعليم وحقّ المرأة ونشر الديمقراطية..الخ، فلا بأس!

ولو نظرنا للقوى الضاربة اليوم، لوجدنا أن الاستعمار نصّب نفسه على شعوب العالم، وأصبح نظامه وناموسه مفروضاً على الجميع، وعلى الشعوب التي خالفته أن تتوب وتستغفر إليه، وتقدّم القرابين بين يدي قدومه واحتلاله لبلادهم، والدخول صاغرة في حروب الفتح التي يفرضها عليهم، ويسلب إرادة أهلها، ويجعله بلداً هامشيا تابعا له! ولأجل أن يستديم بقاؤه، لا أن يرحل بمجرّد “التحرير” المزعوم، استطاع الاستعمار أن يحافظ على تفريق الدول، ولغّمت فيما بينها الطريق: طائفيًّا، مذهبيا وسياسيا، وجعلت من هذا مدخلاً مفتوحا لوصاية النفوذ الأجنبي سعيا وراء تحقيق أهدافه.

الاستعمار اليوم مفسد عالمي، والمفسِدون المحلّيون اليوم هم الذين يستغيثون بالاستعمار ضدّ شعوبهم المستضعفة، فكيف لهذه الشعوب الخروج من مأزقها هذا؟ أم أنه قُدّر عليها أن ترضخ إمّا لظلم حاكم مستبد أو أن تطلب معونة منقذ مستعبِد، وتكون في كل الأحوال هي وقود نار داخلية تدور رحاها بين الحكومات وقادة الأحزاب، أو وقود حروب خارجية تتنازعها مصالح القوى العالمية (يأجوج ومأجوج).

هذا يأخذنا لمشروعية القوة الضاربة المعولمة وظروف وشروط وكيفية استخدامها:

  1. أن تستجيب لدواعي (أسباب) حقيقية للتدخّل، وليست ذرائع.
  2. أن لا تأخذ أجرًا على تدخّلها المشروع، وأن تنسحب بمجرّد انجاز مهمّتها.
  3. في حروب الاعتداء، لا تمارس هي بنفسها الدفاع عن الشعوب باغتصاب إرادتها وقرارها، بل تمكّن أصحاب المشكلة من الحلّ، وتقوّيهم للاعتماد على ذاتهم في الدفاع الدائم عن أوطانهم.
  4. رفع المستوى الحضاري والمدني والتعليمي، وعدم ترك الشعوب نهزة للجهل والحاجة.
  5. في القلاقل الداخلية، فإنّ التدخّل أيضاً لا يعني اغتصاب إرادة المجتمع، بل إزالة الظلَمة فقط ونزع شوكتهم، وترك أهلها المؤهّلين يقومون بمهمّتهم بعد تسيير أمورهم بالتعليم.

ذو القرنين يمثّل النموذج الطيب والأمثل للمصلح العالميّ الصالح، وللقوّة الضاربة التي تسعى لبسط العدل والسلام، مكّنه الله ويسّر له الأسباب فتحرّك وفق الضرورة والحاجة، ونجح في مهامه ولكنه لم يتجبّر ولم يتبطّر، بل أرجع كلّ شيء إلى الله وفضله، ولم يتّخذ من جولاته وسيلة للغُنم المادي، واستغلال الثروات واستعباد الأوطان، بل علّم الصالحين منهم ما يعينهم على إكمال المسيرة، فهل تُرى سنجد مثله في “قرننا” هذا؟ (ويسألونك عن ذي القرنين)!..

  1. قال أبو الريحان الهروي في كتابه الآثار الباقية عن القرون الخالية، قيل: إن ذا القرنين هو أبو كرب شمر بن عبير بن أفريقش الحميري فإنه بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها…إلخ، وقيل: لأن الأذواء من اليمن وهم الذين لا تخلو أسماؤهم من ذي: كذي النادي، وذي نواس، وذي النون…

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *