تعوّد فتح صندوق بريده بعد عودته من العمل مباشرة، تفاجأ ذات يوم بمظروف أنيق بألوان زاهية ومتميزة، أمعايدة؟ لا، إذ لا مناسبة قريبة. لفتت نظره شريطتان بنفسجيتان، انتبه، لكنَّهما غير معقودتين كما هو معتاد! لِم؟ ربَّما لتنقلها في البريد من يد إلى يد انفكت العقدة، هكذا قال، دخل البيت مسرعاً، استلقى على أريكته فكّ الظرف، وجد منظراً جميلاً ملوناً، مرسوماً باليد، ولا من كلام مكتوب، تمعن في المنظر، قال: إنَّه بوابة بيتي، نعم بالتأكيد، هذه الزجاجة التي كسرتها زوجتي السابقة حنان في آخر خروج لها من البيت بعد طلاقها على أثر ضبطها علاقة غير شريفة لي مع إحدى الفتيات، وهذا فرخ اللوز الذي يزين واجهة بيتنا، ولكن … عجباه، لماذا الفرع الثاني من الفرخ مقطوع، ومرميّ خارج السور؟ ولماذا الفرخ كأنّه في فصل الخريف؟ وماذا تعني هذه الورقات المصفرات الأربع الساقطات عند جذع الفرخ. منظر غريب، فتح عليَّ أبواب الماضي المرير. جاءته زوجته وهي لا تخفي استغرابها فما كان من عادته أن يخلوا بنفسه بعد عودته من العمل، سلمت وجلست أَبِك سوء؟ لا،
ناولها الظرف والمنظر. أخذت تتمعن فيهما ثمّ قالت:
– ماذا تعني هذه الرموز؟
– لا أدري. وماذا تظنين أنتِ؟
– دعني أفكر، هي رموز بالتأكيد، ولكن .. ممن؟
– لا أدري، المرسل لم يكتب اسمه.
– ممن تظنين ؟
– لا أدري ؟
– ولكني أظن أن زوجتي السابقة ربما تقف وراءها.
– كيف ؟
– الزجاجة المكسورة في المنظر هي التي كسرتها لمّا طلقتُها، والفرع المقطوع والمرمي خارج البيت هي بعد طلاقها.
– والورقات؟
– أولادها.
– ولِم ساقطات؟
– لأنّهم ليسوا في بيتنا.
– ولماذا صفراوات ومتفرقات؟
– كأنَّها تستعطفني لأعيدهم إلى بيتي، أو تطلب مني أن أتحمل مصروفاتهم.
– وهل ستفعل؟
– أمّا عودتهم إلى البيت فمستحيل؛ لأنَّ البيت لا يسعهم، وأما تحمل نفقاتهم فقد أتحمل جزءاً منها، فهم أولادي على كلّ حال.
– ولماذا لم تكتب ما تريد بدل الرسم؟
– هي عزيزة نفس، لدرجة الكِبر، فهي لا تريد أن تستجدي، وتظن أن الإشارة تكفي، وبالتأكيد لو لم يكن حالها سيئاً لما فعلت هذا.
– عجيب.
شغل الموضوع الزوجين أياماً، ثمّ كأن لم يكن. بعد شهور تفاجأ بظرف آخر يشبه سابقه، فعادت ذكرى المظروف الأول من جديد، وعادت معها التفسيرات والتأويلات. أسرع ليخلوا بنفسه إذ أحسّ أن في الأمر سراً لا ينبغي لزوجته الإطلاع عليه فكان ما قرأ:
كانت أمي لا تدعني ألهو حتى أفرغ من حلّ وظائفي وتحضير دروسي لليوم القادم، فالمنافسة بيني و بين بعض زملائي سجالاً، أسبقهم أحياناً ويسبقونني، وكثيرًا ما كان تنافسنا يثير غيرة بعض الطلاب، عندما يقرع جرس الفسحة كنا نتسابق على التزحلق على حامي السلّم أيّنا الأسرع وصولاً إلى الطابق الأرضي، نعدو كأفراس رهان إلى المقصف لنحتلّ الصفوف الأماميّة قبل أن يتدفق الطلاب، وكثيراً ما أكون أنا السابق فأعود وعلى شفتي ابتسامة المنتصر. أغْرتْ سرعتي أقراني فطلبوا مني أن أشتري فطورهم كلّ صباح، لم أرفض ولم أتردد. كنت في حَيِنَا كالقط أتسلق جدران بيتنا لالتقاط ثمار التوت واللوز، أتنقل من جدار إلى جدار، كانت أمي تنهاني عن ذلك فأطيعها أحيانًا وتغلبني شقاوة الأطفال أحيانًا فأنتهز ساعة نومها لأتسلق، كنت بلبلاً مغردًا أتنقل من غصن إلى غصن، جعلت لي من أغصان نخلة بيتنا منبرًا أجلس عليه، أتنسم الهواء العليل من علو، وأتفاخر على أخواتي اللاتي لا يستطعن فعل ما أفعل، كم كنت معجباً بخصلات شعري الحريرية عندما يلامسها النسيم فينثرها على جبهتي فأقول في نفسي شعر فلان وفلان متجعد لو هبَّ عليه إعصار ما حرك منه شعرة، أمّا أنا فشعري حرير. لم أشك جوعاً ولا وحدة قط، كانت حياتي كلّها أفراح ومسرات، وفجأة انقلبت جحيماً بعد طلاقك أمي، صرت عندما أعود من المدرسة أجد الباب مغلقاً، فأقول ليس في بيتنا أمي، فأتوسد حقيبتي لأنام بجوعي، وهل لعين جائع أن تغفو؟!.
أظل على الباب مرمي إلى الساعة الثالثة، ساعة عودتك من عملك هذا إذا لم تتأخر، أسألك يا غليظ الطباع أقلت يوماً لزوجتك افتحي الباب لهذا المسكين إذا عاد من المدرسة فهو ولدي؟ أنزعت الرحمة من قلبك؟ ماذا جنيت؟ هل أكلت لك مالاً، أو طولت عليك لساناً، حتى تعاملني وتدوسني كما دست أمي؟ الآن عندما كبرت علمت لماذا عاملتني تلك المعاملة، كنت تريد أن تدفع جدتي لتأخذني كما أخذت أخواتي أليس كذلك؟ يبدو أن جدتي كانت عالمة بنيتك فكانت تقول لي يا بني تعالّ معي فأنا الحضن الذي سيدفئك، فأقول لها: إن في البيت رائحة أمي، وذكريات طفولتي، ولكن … لمّا بدت معالم ذكريات الطفولة تنطمس لتحلَّ محلّها الغصص والنكبات آثرت الرحيل. ولكن إلى أين؟ إلى أمي؟ لا، أنا لا أستطيع أن أذهب إليها بعد أن تزوجت، ربما يطردني زوجها، ألا يمكن أن يكون ذلك؟ ولم لا يكون؟ إذا كان الأب يطرد فلذة كبده فلم لا يكون العمّ كذلك؟ ولو كان فيها شهامة لدعتني لزيارتها في بيتها الجديد. ولكنّي لم أرد إحراجها ولم أرد أن يكون ظلي ثقيلاً على أحد حتى ولو كان هذا الأحد أمي.
تأخرت في الدراسة كثيراً. لقد ماتت الابتسامة على شفتي، صرت أهرب من زملائي، لأنّي سمعت أحدهم ينبزني يوماً ويقول هذا “ابن المطلقة”، غسلت الأرض يومها بدموعي، وقلت في نفسي ما أقسى النّاس، ولكن… كيف ألومهم إذا كان أبي أقسى منهم، صحيح أن بعضهم كان يرقّ لي، ويحس بجوعي ويعطيني شيئًا ممّا يشتري، ولكنني هيهات أن آكل صدقة، عزّة نفسي تأبى لي ذلك، أبعد أن كنت السابق للشراء أمسي متسولاً مسكيناً يعطف علي هذا بطعام وذاك بشراب. صحيح أن بعضهم كان يدسّ النقود في جيبي دساً دون أن يراه أحد؛ لأنّ أبواه يأمرانه بذلك، ولكنّي كنت أرفض مثل هذه الحركات.
ائذن لي يا أبي أن أسألك لم أعميت عينيك بيديك، لماذا خُنت أمي، هل كنت تظن أنك ستجد أحلى من أمي؟ فإن وجدت فحذار أن تجد أحلى من زوجتك الجديدة. طوى الرسالة وهو يقول الآن عرفت الرموز.
استجابات