أخفى الله البذرة في جسم ثمرةٍ، لتشتهيها عينُ الإنسان وتقطفها يدُه، فيتذوق الثمرة ويلتذّ بها أوّلاً، ليُنتج بعدَها قرارَه وإصرارَه بزراعة بذرتها، لتُعيد إعطاءه ثمرتها الشهيّة، فهو إذ يزرع البذرة، ويرعاها، ويسقيها، ويصبر عليها، ويتحمّل معاناته معها، فإنما لأنّ صورة الثمرة ماثلةٌ في بؤبؤ عينه لا تزول، هدفُه المأمول لا يضمحل، فقد سَجّل أوّلاً في ذاكرةِ وعيِه ماذا يريد، تصوّرَ رؤيته الأسمى، ثبّتَ هدفَه، فهانت عليه تضحياتٌ والقيامُ بواجباتٍ ليتحقّق له ما يُريد.
درْسُ الثمرة، هو تماماً درسُ الحياة السديدة، ذات الأهداف الثابتة البعيدة، والتضحيات والواجبات المطلوبة للبلوغ، لذلك قيل (العاقلُ مَن تلمّح العواقب)، وليست البصيرةُ شيئاً إلاّ تلمّح ثمارِ المستقبل في بذور الماضي، إنْ خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ.
حين يئس النبي (ص) من سادات ثقيف بالطائف ولقي منهم التكذيب والعذاب والإهانات والطرد وإدماء قدميه بمقذوفات الحصى، انصرف عنهم إلى نخلة، وقام يصلي في الليل الموحش، مناجيا ربّه: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس…الخ”، رُوي أنه ناداه ملَكٌ قائلاً: يا محمّد، إنَّ الله قد بعثني إليك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين (جَبليْن)!
فأجابه نبيّ الرحمة وثمرةُ هدايةِ الناس كافّة تتلألأ بين عينيه: لا، بل أرجو أن يهديهم الله ويُخرج مِن أصلابهم مَن يعبده.
درْسُ الثمرة، يُعلّمنا أن نقف مليّاً متجاوزين ضجيج النفس المحتقنة لنسأل بعمق: ماذا نُريد فعلاً؟ وهل نحن مستعدون للتضحيات لبلوغ الذي نريده فعلاً؟ أم سنُضحي يوماً بما نريد جرّاءَ طوارئ ستقفز حتماً في الطريق؟ سنضحي بالثمرة بسببِ خلافات وتغالبات على تفاصيل وأفضليّات وأمزجة واختلافات فكرية واعتقادية تأخذنا جانبا، وتُطيح بنا عن غايتنا، فنشقى.
حين أنبأنا سبحانه (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) [النبأ: 8]، فقد أعلمنا أنّ الزوجية نظامُ تواجدِنا: ليس للأنا وجودٌ دون آخر، رجلٌ وامرأة، أخٌ وأخ، فئة وفئة، حزب وآخر، مذهب ومذهب، دولة ودولة، أمّة وأمة، قبيلة وقبيلة، شعبٌ وشعب…، وهذا النظام له قوانين لسلامة بقائه، واستدامةِ سلامِه، وتحصيل “ثمراتِه”، أي غاياتِه المرجوّة.
فما هي غاية الإنسان؟ الزوجين؟ الأسرة؟ المؤسّسة؟ المجتمع؟ الحزب؟ الدولة؟ الأمّة؟ ما هي الثمرة المرغوبة بين كلّ زوجيْن؟ لئلا نفقدها، وحتّى نتخيّر لها البذور المطلوبة والتضحيات المندوبة.
حياتنا الفردية، الأسرية، الاجتماعية، السياسية، الدولية… أو مهما كبرت الأرقام والأحجام إلى عالَم أكبر، فمعادلةُ الثمرة هي قاعدتها، لنوضّحها بمثال افتراضي من واقع أسريّ، حيث:
الثمرة المرجوة: هي تأسيسُ بيتٍ يعمرُه الحبّ والرحمة والسكن والسلام النفسي كلبنةِ سلامٍ كونيّة.
التضحيات اللازمة: بذل الجهد، الإخلاص، الحبّ، الخدمة، الرعاية، الاحترام، توفير الحاجات، الدعم النفسي والمادي، المرونة والتنازل، التسامح في الأذواق، الصفح عن الأخطاء، قبول الاختلاف، وأيضاً خلع عباءة الكرامة إذ كما قيل: لا كرامة لنبيّ في بيته، فكيف بسواه؟ فعلى المرء أن يكون خادمًا مُحبّا لأهله، متصابياً مع أطفاله، ظهراً لوالديه..
وسواءٌ بيتٌ بحجمِ كوخٍ أو حجمِ وطن، فمنْ غرق في النزاع على الشكليّات وتفريخ الآفات فقد أضاع الثمرة.
احتدّ النقاش بين زوجيْن، كما هو السائد، على تفاصيل ليست ذات قيمة لثمرةِ ما بينهما، وبين شدّ وجذب وارتفاع الأصوات هدّدتْه بترك بيت الزوجية والذهاب لبيت أهلها، لتعودَ عزيزةً هناك بدل ذلّتها معه، أحسّ بطعنتها في كبريائِه واحترامِه فشتمها هي وأهلها، خرجت غاضبة كيونس بن متّى، ولكونها تحتفظ ببقية عقلٍ لكن مغلوب، ببقية ملامح للثمرة تتلمّحها، كتبتْ له رسالة كالريح التي عصفت بفلك يونس:
(ما تخيلتُ أنّ الدناءة ستُخرِج منك كلَّ هذه القذارة، لقد خُدعتُ بظني أنك إنسانٌ شريف، فإذا بالخسّة والبذاءة ترشحان منك، كيف طاوعتك نفسك أن تشتمني؟ أنا المعزّزة التي لم يُسمعها أبوها إلا كلمة «ملاكي»، أظننتني رخيصة مثل أهلِك؟!)
نفّستْ بالرسالة كلّ ما في نفسها، ترجمتْ بها عداوةَ الشيطان للإنسان ليكون معه في السعير، لكنّها تذكّرت كلمةً سمعتها يوماً، مِن تلك الكلمات الأبدية البيضاء التي تعلق بالذاكرة لتنفعنا في يومنا الأسود: (النَّفسُ ليست دلَّالةً على الخير، وإنَّما هي تحت وطأة الشَّيطان)، وأيضاً هي لم تنسَ خيالَ الثمرة المتدلّية أمام عينيها وإن كانت على أطراف البؤبؤ، فطفقت تمرّر الثمرة على رسالتها وتقيسها بها:
(دناءة، قذارة، خُدعتُ، إنسان (غير) شريف، خسّة، بذاءة، نفسُك، تشتم، المُعزّزة، ملاكي، رخيصة، (رخص) أهلِك)! يا إلهي، كلماتٌ ستُحرق الثمرة إلى الأبد!
أمسكَتْ عن إرسال رسالة نعْيِ الثمرة، رسالةُ شيطان، لابدّ لها مِن تنقيح، لكنّ النفس الشحيحة على خير الآخر ما زالت حاضرة تُصرّ أن تضع بصمتها، وتثأر ببعض كلماتها، إصبع الشيطان لابدّ وأن تنقر بضعة حروف مُدنِّسةٍ لأيّة قداسة. حسناً، سأعيد صياغتها “لأجل عيون” الثمرة:
(لم أكنْ أتخيّل أنه ستصدر منك هذه الإساءة، كنتُ أظنّ أنك زوجٌ محبّ، فإذا بالإيذاء للأسف أناله منك، كيف طاوعتك نفسُك أن تشتمني؟ أنا التي ما اعتدتُ على سماع هكذا كلمات، فلم أتعوّد من أهلي ذلك، ولا أظنّ أنّ أهلك عوّدوك ذلك؟!)، نعم هذي أفضل للثمرة.
قرأتْها مرّة، مرّتين، ثلاثاً، وهي تحني رأسها يميناً وشمالاً، النفسُ صارت أهدأ قليلاً.. لكن الثمرة ما زال ملمحُها ضبابيا، بريقُ ألوانها باهت، إذ كلّما بهتت النفس (faded) أضاءت الثمرة والعكس بالعكس، لذلك رأتْ رائحة تبرئة النفس وإدانة الآخر تفوح بوضوح…
نعم، الأنفاس الحارقة قد بردت، النفس عادت لقمقمها إلاّ قليلاً، العقلُ صار يستطيع أن يفكّر في هدأةٍ ليكتب أفضل، والأفضل: لابدّ مِن تناصف الخطأ وتحمّل مسئوليّته:
(لم أكن أتخيّل أنه سيبلغ بنا الحالُ إلى هذه الحالة، كنتُ أظنّ أننا زوجان مُحبّان ولكن أرانا الدهرُ مِن أنفسنا العجبَ، فلا أبرّئ نفسي، فقد أكون أحدَ أسباب إسماعك لي ما لا ينبغي؟ ولكن هل ما تفوّهتَ به تراه مقبولا؟)..
باتتْ أشدّ حرصاً على كلماتها، الموازينُ ثقُلتْ، الكلماتُ بل الكلمة صار لها وزنٌ أكبر لأنّ مفعولها المأمول أكبر، إنها كمعادلة كيمياء إما تُنتج وفق ميزانها الذرّي أو لا تُنتج، والناتج المرغوب تلك الثمرة التي تعاهدنا منذ البدء أنها هدفنا، أجالت الرسالة مرّات، قرأتْها بعين زوجِها لترى وقْعها عليه، نعمْ قد تُؤثّر لكنها لن تُنتج، النفوسُ أسيرةُ الكلمة الطيبة لا الجارحة والمُدينة، وبصمةُ النفس التي تُلقي بِكراتها في ملاعب الآخرين ما زالت تندسّ تحت إهاب الكلمات.
استعانت بالله وليّ كلّ نعمة ومُسدّد كلّ خطوة، فـ “الله وليّ الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات إلى النور”… وبالأخص ظلمات النفس.
انتفضتْ كمن يخلع وسخاً، قرّرتْ كمن ينوي غزواً، أشرقتْ روحُها كسطوع شمس، داستْ كبرياءها الوهمي كما ندوس ظلَّنا، استعادت سعادة ذكريات تذوّقِ الثمرة، استحضرت الحسنات ليُذهبن السيّئات، وبرقت الثمرةُ بألوانها في بؤبؤها، رأتْ ثَمّةَ عظيمَ النعمة، فاح الخُلق الأجملُ وتودَّع الجنون، وكتبتْ – كما يكتب ملائكةُ الوحي بـ “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ” – كتبتْ:
(زوجي الحبيب، أنا آسفةٌ جدّا لحالي، كنتُ متيقنةً أنّ محبتي إيّاك ستمنعني من مُلاججتك والصدام معك، ولكنْ سبحانه بألطافه أراد أن يكشف لي مِن سوء نفسي ما خفي عنّي، أعتذر إلى ساحة ربّي، ثمّ إليك حبيبي من إساءتي، ومِن تكديرك وإغضابك).
لم تُراجع لتُنقِّح الرسالة هذه المرّة فنوايا الخير لا تُراجَع، ولأنّها مِن القلب خرجتْ، بالحبّ تضوّعت، مِن الله تنزّلت، بل أرسلتها مباشرة بلا مهل، وحين استلمها زوجُها تأسّف ودمعت عيناه على خطأه وخطيئته، على جريمته بحقّ الثمرة، وبحقّ حبيبته في الحفاظ على بركات الثمرة.
هذا مثالٌ للبلاغ، نموذج لرسائل ما بيننا، لبياناتنا، لخطبنا وخطاباتنا، لمعاملاتنا وحواراتنا، إنها إصداراتُ إدانة واستفزاز وتهييج وحطّ وتحقير وعلوّ، وبالنتيجة هي إصدارات تُوحي بنسياننا وقتلنا الثمرة، وتعظيمنا وتقديسنا لآفات الظلام.
كم هوْلُ كلامنا وحروبنا المُصاغة ضدّ الثمرة؟ كم حجمُ “الجنون” الذي نعيشه وكمِّ “نعمة ربّنا” التي بأيدينا والتي سنضيّعها “بجنوننا” وضعف “أخلاقنا”؟
متى نخرج من الكهف إلى النور، مِن كهف رؤية النفس إلى نور رؤية الناس؟
كم هي ألفاظ النفس وأنفاسِها تتنفّسُ وتُنفّس في جدالاتنا؟ ومتى ستُستَنطَق ألفاظ الروح في اجتماعنا وسياساتنا؟
هل يُمكننا تمييز ألفاظ النفس، أيْ بذور الأنا السفلى، لنتطهّر منها، ونستبدلها ببذور تُعمّر الحياة بالحبّ لنقطف أشهى ثمار اجتماعنا؟
أليس غريبًا أن يدّعي المرء الإيمان بشـيء، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحدّي ومعارضة ما آمن به؟
لقد هجر الإنسان أخاه، وركض وراء الحجم الشخصي والعظمة الزائفة، ولم يتذكّر أنّ ممارسة المحبة والتسامح ببساطة هو خير مطلب للنفس، بل إنّ الحكمة تقول (يستطيع فردٌ يشعر بحبّ حقيقي في قلبه، أن يحقق مصيرًا أفضل بكثير، من الفرد الذي يكره أو يُنفّس عن كرهه، لأنَّ الطَّبيعة تُعيد لنا ما نزرع فيها).
الشيطان مُهندس الشقاء قد ربط الإضلال بالأمنيات، (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) فما مِن مُضلَّل عن ثمرة وجوده واجتماعه إلا وهو ممنًّى بغرور عقائد أو توافه زائفه أقلّها كبرياء وخوفُ فقدان خصوصية، لذلك عقولنا بُرمجت على الصراع وتطبيعه بل وتبريره وتقديسه، وتطبّعنا منذ الطفولة -التي لن تبلغ وتنضج- على حلّ الاختلافات بالنزاع، وعلى إمّا أكْل الكعكة كلّها أو الإحساس بالغبن النفسي والمرارة، لا نسعد بمشاطرة الآخر! ولك أن ترى هذه البرمجيات مثالاً مِن وعود الشيطان أو تهويلاته:
(إن سامحتُ أخي، أو عفوتُ عن شريكي، سيضيع حقي وسأظل أتألّم وسأدفع الثمن من سعادتي)، برمجة تقتل ثمرة الاجتماع، وتنسف قيَم التسامح والعفو.
(إنْ يوماً أطعتُ زوجتي، أو تجاوزتُ عن خطأ ابني، سأفقد كبريائي ورجولتي) القيمة الرحمانيّة المفقودة ستكون حسن التجاوز والتواضع.
(إن لم أقف مع أهلي/طائفتي – ضد الآخرين- فسأكون خاذلاً لأصلي) القيمة المُضحّى بها نصرة الحقّ والحقوق ولو على نفسك وأهلك.
(إذا لم أردّ إساءته أضعافا فلن يفهم معنى الإساءة ولن يتوقف عن إيذائي) برمجة مضادّة للتوصيات الربّانية بدفع السيئة بالحسنة أو بأحسن منها.
وهكذا نتهاوى حتى نصل إلى تضليل أعمّ مثل: (إن ساويتُ بي الهندوسي، البوذي ..الخ، والآخر المذهبي فما فضلُ الإسلام والمذهب؟) مؤدّاه، أقنعك الشيطان بما أقنع به نفسه أنه خيرٌ مِن غيره، فتعتقد بعلوّك وأفضليّتك على الآخرين وأنّ الله اتّخذك دون الآخرين حبيبا! لتضيع ثمرة: (جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13].
استجابات