يستقر في العقل اللاواعي للإنسان المسلم الكثير من المفاهيم الدينية التي يتم تخزينها بشكل تلقائي بفعل التلقّي المتوارث، دون تمحيص أو تدقيق في مدى صحتها، والتي تقوم بتشكيل وعيه ونظرته للكون والحياة ولشركائه في الدين والوطن والإنسانية، علاوة على تشكيل معرفته بخالقه ورازقه. من هنا تأتي أهمية تحديد هذه المفاهيم وتعريفها بدقة لتطابق المعنى المراد بها وفق المرجعية التي لا خلاف عليها عند المسلمين وهي (القرآن الكريم)، لينتج عنها بعد ذلك العملُ الصالح المطلوب، لأنها تساهم بشكل أساسي في وضوح الرؤية وتصويبها للوصول إلى تحقيق الهدف من وجودنا. فمفاهيم كثيرة مثل الكفر والنفاق والإيمان والفسوق والعصيان والارتداد والشرك وغيرها، يشوبها الكثير من العوار والالتباس في الفهم، ما يؤدي إلى خلل في التطبيق حتى مع افتراض حسن النية! وتكون المحصلة النهائية كمن قال عنهم القرآن الكريم: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف:104).
ليس الغرض من معرفة المفاهيم النظر إليها من باب انطباقها على الآخر من عدمه، وإنما لمعرفة أين نحن من تلك المفاهيم؟ وما مقدار انطباقها علينا، سلبا أو إيجابا، بغية العمل على إصلاح حالنا المعطوب، فالتغيير يبدأ بالنفس أولا، ومبتدأه في الفكر تحديداً، ولهذا جاءت الآيات تحث على التدبّر والتفكّر والتعقّل..الخ، و”تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة” كما في المأثور.
الفسوق والعصيان
في سرده لقصة الإنسان الأولى على هذه الأرض، أسّس القرآن الكريم لبعض المفاهيم التي لا ينبغي أن تفارق وعي الإنسان المؤمن لصيانته من الوقوع في فخ الشيطان، مثل الفسوق والمعصية، فسمّى رفض إبليس الاستجابة لأمر الله سبحانه بالسجود لآدم فسوقا: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (الكهف: 50). بينما سمّى عدم التزام آدم بعدم الاقتراب من الشجرة المحرّمة عصيانا: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (طـه:121)، لأنه رغم عصيانه لازال قادرا على التدارك والرجوع والتصحيح، وهذا ما حصل بالفعل (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (طه:122). بينما الفسوق هو الخروج عن طريق الحق والصواب، واستبداله بطريق آخر بديل، قد يوصل -إذا ما تم الاستمرار فيه- إلى نقطة اللاعودة، وهنا مكمن الخطورة (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (يونس:33)، فسِمة إبليس هي الفسق عن الأمر، أي اتخاذ طريقة وجود خارج نظام السلامة، باتباع أنظمة إيذاء واعتداء وفساد، غايتها تحطيم الإنسان وإهلاكه، ولهذا كان الشيطان للإنسان عدوا مبينا. و”أمر ربّه” هو بمثابة “الكتيب الإرشادي” الذي يُحدّد لكلّ كائن عاقل كيف يحيا ليظلّ رحمانيًّا، عبر تعاليم مركوزة في فطرته، وبإمكان عقله أن يستنبطها بالمنطق والتجربة والعلم، وجاءت الرسل (ع) مذكّرة بها.
وانطلاقا من هذا الفهم لمعنى الفسوق نتساءل: هل تعيش الناس التي تدّعي الإيمان اليومَ في منظومة السلامة، أم أنها فسقت عنها وباتت خارجها؟ هل الصدق أساسُهم أم الكذب؟ هل الحقيقة ينشدون أم الزيف؟ هل الأمانة يلتزمون أم الغش والخداع والخيانة؟ هل يعيشون الاعتدال أم الإسراف والتطرّف؟ هل يتعاملون بالسلم أم العدوان؟ هل التوازن ديدنُهم أم الطغيان؟ هل الاستواء يحكم أمور حياتهم أم التضخيم؟ هل الجدّ طبعُهم أم اللهو والعبث والسفه؟ فمنْ ذا الذي لا يعيش خارج أمر ربه؟ الكلّ يلعنُ إبليس، ولكنه يفعلُ فعلَه، كقارئ القرآن والقرآنُ يلعنه!
الفسوق خروج عن الاعتدال
الإنسان المستَفَز أو المستَثار ضدّ فكرة ما، يذهب بطبيعة الحال نحو أقصى درجات الرفض لها، ليجد نفسه بعد ذلك وقد سقط في هوّة لا يستطيع الخروج منها، ولا ينعكس عنه أدنى درجة من البصيرة لإرادة الخروج للرجوع والتصحيح، فيُصبح الفسق هو عالمه، وبالتالي هو جزء من طريقته ومكانته في الحياة، لن يتخلى عنه. والفسق ليس له سمات محددة، إذ تجده خلف الأقنعة، مثل الوسواس، الشك، الريبة، الغيبة، النميمة، الحسد، البخل، الإسراف، الكذب، السرقة، الخصام، العداوة، البغضاء … الخ، وهذه كلها خروج عن مسمى الاعتدال، والاستمرار فيها بمثابة الاستمرار في صناعة أقنعة للفسوق، والتي أصبحت متعدّدة وكثيرة، ولكن الغاية منها واحدة، وهي تجنيب الإنسان عن رشده وصوابه، والإنسان كلما ازداد وسواسُه (في الوضوء مثلا) ظناً منه تحرّي الكمال، كلّما اتّضح القناع.
فكل خروج عن جادة الصواب والحق فهو فسوق، أكان بالزيادة على “أمر الله” أم بالنقصان فيه وعدم الامتثال، ومثاله المبالغة في العمل بالاحتياطات التي يجعل منها الشيطان مطية إلى الوساوس والشكوك، سواء الفقهية منها أو التربويّة أو الأمنية والعسكرية لا فرق، ومنها تحريم ما أحلّ الله تعالى افتراءً عليه، بينما ليس محرّما من المأكول إلاّ القذر الضارّ (الرجس)، أو ما كان “فسقا”ً في غايته، أي ذُبح خارج منظومة الله التي علّمت الإنسان كيف يذبح باحترامٍ للطبيعة ويشكر (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)(الأنعام:121) وذكر اسم الله عليه ليس مجرد التلفظ باسم الجلالة حين الذبح، وإنما أن يكون وفق تعاليم الله سبحانه من حلّية الحيوان وطريقة ذبحه وسلامة الغاية من الذبح، وإلا صار فسقا.. (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه)(الأنعام: 145)، لأنّ المنطق والضمير، وما أكّدته الرسل -وكلها تعبير عن “أمر الله”- أنّ الحيوان المُسخَّر يُذبح برفقٍ ليُؤكل ويُنتفع به لقوله تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(الحج: الآية36)، لا بتعذيبه ولا بذبحه لتلطيخ أصنام لا تعقل بدمائه، فهذا خروج عن كُتيّب الاستعمال الرشيد.
وفي المقابل فكل اصطفاف خلف المبادئ والقيم هو التزام بقانون السلامة، وبذرته مغروسة فينا وتحتاج منا للتغذية والرعاية لتنمو، وإلا سيدفع كلٌ منا ثمن فسوقه، (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(الأعراف:165)، فمخالفة نظام السلامة له عواقب لابد أن تُدفع (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)(الإسراء:16).
الزواج الرحمانيّ -مثلا- له تعاليم وأنظمة سلامة، أَمَرَ اللهُ تعالى بها، والفسوق عنها يجعل بيوت الزوجية أودية من جهنّم، ويُحيلها شقاءً أبدياً لأرواح الساكنين فيها، وكذلك الأوطان لها أنظمة سلامة تقوم على احترام الإنسان وحفظ حقوقه من حرية وكرامة وعدالة في إطار من التعدّدية والمشاركة والتسامح والتعاون والاحترام، فتجاوزها والفسوق عنها له تداعيات لا تنتهي من الخراب حتى بلوغ الهاوية. العلاقات الاجتماعية وأسلوب التعامل بين الناس لها نصيبها، فالأمر أنّ “الدين المعاملة”؛ أي التعامل بشرف وبحب واحترام، وتعاون، وقيم خير، ومبدئية، ووفاء، وتجاوز وصفح، وحسن ظن، وإنصاف، وتبيّن، لا التعامل بريبة، وعداء، واعتداء، وغش وخداع، ونفاق، وكذب، وعلو، وسخرية وازدراء، وتقاطع، ونفعية، ومضارة.. لكن تحت أقنعة زيف. فهذا كلّه فسوق وخلاف ما أمر الله به، وهو سبيل إبليس الفاسق الأوّل، أوّل مَن أنتج نظاماً سفليّاً ظلاميّاً للوجود خارج نظام الروح الأعلى المشرق.
انظر لناقل خبر اليوم، أكان النقل شفويا، أو عبر وسائط الميديا المتاحة، لن تجده يبتعد عن نقل “هدهد” النبي سليمان(ع) حين جاء متعاليا فأدخل الذات في الموضوع، قائلا: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ) (النمل:22)! لترى خلط الحقّ (المعلومة الصحيحة) بمآرب الأنا، والأغراض، والاستفزاز، والتضخيم والتهويل، كحال أكثر جهات صناعة الأخبار اليومَ، والتي صارت تجارة رائجة ضد العقل وضدّ الإنسان وضد الروح الاجتماعية.
قد لا يكون النبأ بالضرورة خطأ أو كذبا، ولكن ناقله لم يتبيّن أو يتحرَّ الدقة، أو أساء الفهم، أو تسّرع في إذاعته أو تصرّف به على غير وجه الحقّ، فهذه الحالة هي خروج عن العُرف السويّ في تداول الأخبار، فهذا فسوق، لأنه يسوق النبأ لغير وجهته الصحيحة، أو يسوق الناس بجهل لفعل أو ردّ فعل يندمون عليه لاحقًا، حيث لا تنفع الندامة، لذا نرى في التنزيل الكريم توجيهًا لمثل هذه الحالات يلزم المؤمنين بالتحرّي ليتبيّنوا طلباً للرشد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6).
هناك قواعد سلامة (أمر الله) لنقل النبأ، وتجاوزها فسق، والناقل المتجاوز لها فاسق، وهي: التحقّق من النبأ، نقله لجهته المسئولة وليس إذاعته، مراعاة توقيت نقله، نقله دون تضخيم أو زيادة، عدم تضمينه مآرب أخرى أو توظيفه، وإنما نقله للصلاح والخير العام وللواجب ليس إلا. والقليل جدًّا من يلتزم بهذه القواعد! فالأنباء، ونقلها ينبغي أن تكون للخير وللتحذير من الشرّ، أي تتبع قانون سلامة الإنسان والمجتمع، ولكنك تجد الكثير من الأنباء المتداولة تستبطن أغراضًا شيطانية، الهدف منها هو بثّ الفرقة والعداء والشرور، للانتفاع الخاص، بل وتتقصّد صناعة التهييج الطائفي، والخلخلة الاجتماعية، واستفزاز الغرائز الهمجية.. الخ، وكلّها فسق كفسق إبليس وجلباته على الإنسانية لتدمير الإنسان والأوطان!
الفسوق كفرٌ بالتعاليم وجالبٌ للعنت
يبدأ الشيطان خطواته مع الإنسان باستدراجه للوقوع في مخالفة أمر من أنظمة سلامته التي يقر بها العقل والدين، وهذا هو العصيان، وما تلبث المخالفة أن تتحوّل تدريجيا إلى ديدن وطريقة في التعاطي مع الأمور تكتسب مع الوقت طابع العنت والتشدّد، وهذا هو الفسوق، فالبعض يريد بأسلوب التشدّد هذا أن يفرض حلّا على الآخرين للمشاكل التي يعاني منها هو! هكذا كان البعض أيام الرسول (ص)، وهكذا البعض اليوم، ولو استجاب النبي (ص) لمثل هذه الاقتراحات والمطالبات ذات المآرب الضيّقة لوقع الجميع في العنت، ولكنّه كان ييسّر، وينسخ ما يُلقي الشيطان، ويمسح الآثار التخريبية بمحكمات الإيمان والحبّ والإخاء ووجوب الاعتدال، فالأمر لا يقف عند هذا الحد، لأن التشدّد يقود في النهاية إلى الكفر بجميع القيم الإنسانية، وهذا ما حذّر منه الرسول(ص) في خبطة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)، فسيرة الرسول وسنته لا تقرّ بما يحصل اليوم بين أمّته من تعصّب، وتدابر، وتقاطع، وسفك للدماء المحرّمة، مهما ادّعى مدعٍ أنه يفعل ذلك نصرةً للحق! فالرسول(ص) أولى بالحق، وهو الذي، عندما كان بعض أصحابه يغالي في ردة فعله تجاه مرتكب المعصية فيطالب بقتله! كان (ص) يقول: (إذن تتحدّث العرب: أنّ محمدا يقتل أصحابه!) كمنظمّات المافيا! وحينما جيء إليه برجل من المسلمين شرب الخمر لإقامة الحدّ عليه، وقد سبق أن فعل ذلك مرارا، استنكر البعض قائلا: ما أخزاه! ما أكثر ما يُؤتى به! قال(ص): (لا تُعينوا الشيطان عليه، والله ما علمتُ إلا أنه يحب الله ورسوله). هكذا كان (ص) منار العقل والحكمة ومثال الرحمة والاعتدال، كما قال عنه ربه –عز وجل-: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات:7).
هذه سيرة نبيّنا الكريم (ص)، وهذه سنّته الوضّاءة ليلها كنهارها فلْنتمسكْ بها دون مغالاة، فهي سبيل نجاتنا من هذه الفتن الظلماء، ولْنستفتِ قلوبنا ترشدْنا إلى ما فيه خيرنا وصلاحنا وإنْ أفتانا المفتون، والحذرَ من استزلال الشيطان باستصغار المعصية، ثم الاعتياد عليها، ثم اعتبارها من دين الله سبحانه، نطالب الآخر بما لم ينزل الله به من سلطان! فالناظر إلى ما يتداوله المسلمون اليومَ وأثره فيهم يدرك مساحة الفسق، ومدى اشتغال أوامره، والتعنّت الذي امتلأت به الطوائف والفئات، بدل “أمر الله” حيث السلامة في رحاب العقل والرحمة.
استجابات