لا إكراه في الدين

فيما حكاه سبحانه من كلام المستكبرين من قوم النبي شعيب (ع) قولهم: “لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا” (الأعراف-88)، فأجابهم (ع): “أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ؟(الأعراف-88)، إنّ جوابه (ع) يعبّر عن أمرٍ يفترض أن يكون بديهياً، وأنّ الناس متفقون عليه، وهو أنّ الدين يجب أن يترك في دائرة الاختيار، وأنه حقّ من حقوق الإنسان البديهية التي لا يجوز سلبها في أيّ حال من الأحوال، بحيث لا يُحال بينه وبين اختياره لمعتقده، ولا إكراهه على معتقد لا يرتضيه.

هذا ما يؤمن به الأنبياء (ع) إيماناً مطلقاً، كونهم يتعاملون بموضوعية تامة مع الأشياء، لعلمهم اليقيني أنّ العقيدة اختيارٌ، وأنها في جوهرها غير قابلة للإكراه.

فهذا نبي الله نوح (ع) يجادل قومه حول البديهية نفسها، وبذات اللغة: “قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ” (هود-28)، فلقد شهدنا الحقّ ورأيناه بعين اليقين، وهو مشهدٌ مفتوح يمكن للجميع أن يراه، لكنكم سلكتم مع هذا الحق طرقاً معوجّة واتّبعتم المعاندين المستكبرين، فصددتُم قلوبكم عن شهوده، فيستحيل إكراه قلوبكم وإلزامها بأمرٍ تكرهونه.

فالعقيدة عند الأنبياء لا تقبل الإكراه، لأنّها أساسُ جوهر الحياة، بها تتلوّن، وعليها تتكئ، فهي مصدر إلهامها وقيامها وقعودها، وسلمها وحربها!

كما أنّ العقيدة هي البرنامج الذي يسير الإنسان وفقه في مشاعره ومواقفه، كونها انعكاساً لما لديه من فكرةٍ عن نفسه، وعن الكون وقواه، وعن الحياة وما بعدها، وإن كان ثمّة مرحلة للمؤاخذة والحساب! من أجل ذلك كان جانبها مقدّساً لا يُمسّ، ومن أجل ذلك احتلت قمة الهرم في دائرة الاختيار الإنساني، ولهذا لم يمارس الأنبياء (ع) أيّ إكراهٍ على أحد لإدخاله في دينهم الحقّ.

كيف؟ وهم يعلمون أنّ القضية راجعة للعقل وليس للجسد الذي قد يبدي لك الانصياع، غير أنّ عقله وقلبه لم يتزحزحا عما هما فيه.

فهل يحوِّلون الناس إلى منافقين متظاهرين بالإيمان وقلوبهم في اتجاهٍ معاكس؟ لا يمكن لمن يعرف الدين الخالص أن يُكره أحداً عليه.

وعلى الذين يفسرّون بعض الآيات والأحاديث خلاف هذا فليتأمّلوا هذه الحقيقة، ويجعلوا منها مقاساً ثابتاً لا اعوجاج فيه، وغير قابلٍ للنسخ الذي يدّعون، بينما يقول التاريخ -وفقاً للقرآن- أنّ الذين كفروا هم الذين يحاولون قسر أنبيائهم ومن معهم من المؤمنين على ترك دينهم الذي منَّ الله عليهم به: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا” (إبراهيم-13)، فأعداء الله هم الممارسون الإكراه لضعف حجّة دينهم الباطل، وكجزء من حاجتهم لاستعباد الناس بطاغوتهم، أما أولياؤه (ع) فلم يمارسوا الإكراه أبداً لأنّ مُرسلهم سبحانه ليس بضعيف البرهان، أو بحاجة لعبيد يقوّون ملكه!

بينما الأمر هو هكذا، وإذا به ينقلب رأساً على عقب، ويصبح النبيّ(ص) -في فقه السلطنة والهيمنة- مأموراً بأن يقاتل الآخرين حتى يؤمنوا! وهذا معناه أنه مارس الإكراه وبأبشع صوره، فرَووا أنّه (ص) قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله“! ناسخاً بذلك (لا إكراه في الدين)، وعلى فرض أنه (ص) قال ذلك، فاللازم إرجاع هذا الأثَر إلى المحكَم، وأن يُوضع في سياقه التاريخي لكشف مدلوله، الذي لا يمكن بحال أن ينسخ حكم الله العدْل (لا إكراه في الدين)، وإذا أخذنا المعارك الثلاث؛ بدراً وأحداً والأحزابَ مثالاً، والتي كانت غاية قريش منها القضاء على أمة المسلمين الفتية، هنا نسأل: ما الذي يجب على المسلمين فعله حينئذٍ؟ أليس عليهم الدفاع عن وجودهم وأنفسهم ودينهم؟ وإذا أعلن ثمّة بعضُ محاربي قريش (إذ كان بعضهم كارها لمقاتلة المسلمين كونهم أهله وقومه) أعلنوا إسلامهم أثناء القتال؟ هل على المقاتلين المسلمين مواصلة قتالهم؟! أم قبولهم كإخوان لهم، حيث انتفى المسوّغ وهو العدوان؟ ولو واصلوا قتال الذين أسلموا، ألن تكون ملامتهم كملامة أسامة بن زيد في القضية المشهورة، حين أهوى بسيفه على كافر محاربٍ في ميدان المعركة فقال: “لا إله إلا الله”، فلم يمسك أسامة سيفه وقتله، فلما رجعوا وأخبروا النبيّ الكريم (ص) بما حدث، ذمّه (ص) وتبرّأ من فعلته قائلا: “أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟” فقال: “يا رسول الله، إنما قالها خوفاً”، فقال (ص): هلا شققت عن قلبه؟!

فاللازم للعاقل من أيّ ملّة مقاتلة مَن يقاتله ويعتدي عليه لا مَن يسالمه، أو يكفّ اعتداءه ويرجع مولّياً، أو مَن يدخل في دينه راغباً، كما قال (ص): “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله“، أي أمرت أن أقاتل الناس “التي تقاتلني” وهذا هو الطبيعي.. وليس كلّ الناس، هذا هو سياقها، قال تعالى: ” وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقرة-190) أي اقتصروا على مقاتلة من يقاتلكم، فقتال غير المقاتلين اعتداء، وهكذا كانت معاركه (ص) مقاتلة المقاتلين المعتدين لكفّهم فقط، لا من أجل إدخالهم في الدين، وإلاّ أين ذهبت “لكم دينكم ولي دين” المكّية؟ وأين تذهب “لا إكراه في الدين” المدنيّة؟! وأختها: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)(الممتحنة:8)؟!

وحتى تؤتي قاعدة “لا إكراه في الدين” ثمارها، لابدّ لجميع الأطراف من الالتزام بها، لما توفّره قاعدة “لا إكراه” من أمن ضروري للجميع، من حيث أن الالتزام بها يمنع الدخول في سجالات حول أفضل وأصحّ وأقدس ديانة أو طائفة أو تيار، سجالات قد تبدأ بالكلام، وتداعياته قد تفضي إلى القتال والدمار.

وهكذا تشتغل الأمم طوال عمرها بحروب باردة دينية، أو ربما حروب جهنّمية، دون أن ينتهي هذا الصراع إلاّ إلى مزيد من الشرور والطغيان والفساد باسم الأديان.

فالدين أكثر الأشياء استمراراً في حياة البشر، وأكثرها حساسية وتقديساً، ولا يمكن أن نتخلّص من براثن الاستبداد إلا بالعودة إلى قاعدتنا الذهبية “لا إكراه في الدين“، التي كان القادة الأنبياء (ع) أكثر الأطراف بها التزاماً، بل ربّما الطرف الوحيد!

غير أنّ التزام بعض بها دون بعض لا يضمن للجميع الأمن والسلامة من عاديات الإكراه وأحكام الجور والعدوان؛ من تهديد ووعيد، وإهانات وتعذيب، ومقاطعة وتهميش، وملاحقات وإيذاء، ونفي وسجن، وتشتدّ لتكون قتلاً وإزهاقاً لأرواح، فسبيل الإكراه مفتوحٌ على شرور كثيرة، وقد نال أنبياء الله أكبر قسط من هذه الشرور.

ربّما الأكثر يدرك أهمية هذه القاعدة حين يكون مظلوماً وقليلاً وغريباً، لكن الناس يُصبحون بالإلفة والاعتياد والقوّة الإرثية والكمّ العددي متعصبّين وغلاة في عقائدهم، فيجعلون الإكراه عقيدتهم ومسلكهم.

قاعدة لكل المستويات:

الإكراه المحرّم والممنوع يشمل كل إكراه يُراد منه سلب حرية الإنسان في اختياره لدينه ومعتقده، سواء كان ذلك على مستوى الدين؛ فله الحق أن يختار ما يشاء من دين، وهو وحده مَن يتحمّل نتيجة اختياره، ولا يحقّ لأحد أن يمنعه قسراً من ذلك، أو إكراهه ليتحوّل لمعتقد يرفضه، كما أنّ له الحق في أن ينتمي لأيّ طائفة يشاء داخل دينه، وأن ينتمي لما يشاء من تيارات طائفته، وله أن يختار تفاصيل فكره من أيّ جهة شاء تبعاً لقوله تعالى: “الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ” (الزمر-18) والتي يمكن تطبيقها على التقليد الفقهي، وعلى غيره من مجالات الاختيار، كترجيح رأي على غيره في التفسير، أو الاقتصاد، أو السياسة، أو التاريخ، وليس لأحد الحق في مصادرة اختيار الآخرين، أو التوصّي عليهم، ولا اتهامهم بالخروج عن الملة والشريعة وكأنّه مالكها، أو رميهم بالزندقة والفسوق، لمجرّد مخالفتهم مألوف طائفته أو معتقده وجماعته.

ومن المرجّح أنّ كثيراً من المتدينين يحجمون عن التعبير عن رأيهم في المجالات الآنفة، ويتخلّون عمّا يرونه حقاً من وجهة نظرهم، خوفاً من رميهم بواحدة من هذه المدافع القاتلة!

ومن دون شك أنّ حرية الرأي -في جغرافيتنا الدينية- مخنوقة ومكمّمة، إن لم تكن مسلوبة بالكامل، وأنّ مدافع تلك الاتهامات منصوبة على مدار الساعة، تتعقب “راداراتُها” كلّ رأي غريب خارج على المألوف، فتوجه إلى صاحبه رشقات التهم المعلّبة ما يناسب درجة انحرافه! على نمط مدرسة “أو لتعودُنّ في ملتنا“.

فمن أين جاءنا التكفير؟ ومن أين جاءتنا الاتهامات الحاطّة الأخرى؟ وهل لها مرجعٌ غير الإكراه؟ أليست هي هو؟ لكن بلكنة دينية!

وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ” (البقرة-113)، فهل ورثنا هذا التقاذف حذوَ النعل بالنعل؟

أنتم لستم على شيء، أنتم لستُم مسلمين، عملكُم باطل… هكذا يقول المسلم المتعصّب من طائفة لمسلمي الطائفة الأخرى، فيجيبه متعصّبُ الأخرى: بل أنتم لا مرحباً بكم، أنتم لستم على شيءٍ، ولو سألنا كلا هذين الأحمقين: وكيف يعود هؤلاء الذين ليسوا على شيءٍ إلى الإسلام،؟ لأجاب: بالتحوّل إلى مذهبنا، إذاً هذه أخت (أو لتعودنّ في ملتنا)!

ولقد رافَقَنا هذا التعصب الطائفي منذ أمدٍ بعيد، فحجبَنا عن جوهر ديننا وحال بيننا وبين قيامنا كأمّةٍ فاعلةٍ بين الأمم، وحجبنا أيضاً عن تحمل مسئولياتنا تجاه الآخرين، بعد حجْب العقل وتخويفه وخنقه، هذا الغيّ كلّه من آثار الإكراه الديني.

إننا أمة مشبعة بالإكراه الديني، شعرنا أم لم نشعر، ويكثر فينا مصادرة الرأي الآخر، ورمي من يخالفنا في أيّ جانب من الدين، بالفسق، والزندقة، وترك الملة.

ولقد أنضب الإكراه إنسانيّتنا، وحرّيتنا، وعقلنا، وأمننا، دون شعور منا، فكلّما ارتفع صوت التكفير انخفضت الثقة والأمن بين طوائف المسلمين، وتلته ذيوله من الإساءات، والإهانات، والمواجهات والنفرة، والكراهية والمقاطعة، وغير ذلك حتى الاقتتال، مما نجده من آثار ونتائج الإكراه على مستوى الدين.

فالإكراه الديني، أينما حلَّ حلَّت نقماته، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإكراه على مستوى الديانات، أو طوائف الدين الواحد، أو تيارات الطائفة نفسها.

وتعدّد الديانات، والمذاهب، والتيارات، وفقهاء التقليد، واقعٌ معاشٌ، فإن تعايش أتباعها عملاً بقاعدة “لا إكراه في الدين” وتركوا الناس أحراراً دون هيمنة وصايات واستعبادات، يختارون ما يشاءون، ولم يقعدوا لهم بكل صراط يُوعدونهم ويتهدّدونهم، فقد أسلموا لقانون الله ولم يُنازعوه سلطانه، واحترموا الحياة الإنسانية، وحقّ الاختيار، وحرية الرأي، وخلقوا مناخاً لحياة كريمة.

وإن خالفوا هذه القاعدة، فلهذه المخالفة تداعيات، والنتيجة حربُ ديانات أو تطاحنُ مذاهب، وحرائقُ كراهيةٍ ونفور، واتهامات وافتراءات، وهذا قليلٌ مما يحدث في مثل هذه المواجهات الشيطانية، التي تنتهي في الغالب إلى تحزّب شرسٍ ضدّ الآخر واستعار حروب حقيقية: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)(فاطر:6).

بينما كان جوهر الدين؛ المحبة، والتعاون على الخير، وإفشاء السلام بين الناس واحترام تنوعّهم الفكري والأممي.

البديل المنطقي:

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ” (الإسراء-9)، وأنّ الإسلام دينُ القِيَم “وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ” (البينة-5)، ولقد ناضل الأنبياء (ع) من أجل توعية أقوامهم بأنّ الدين الذي أنزله الله عليهم هو المنهج السليم الضامن للإنسان حياته الطيبة في الدنيا والآخرة.

وبالرغم مِن هذه الأهمية القصوى للدين في حياة الإنسان، إلا أنه لا يجوز إكراه الناس عليه، لأنّ مدخل هذا الدين اعتقادٌ، وإيمانٌ، وتصديقٌ، وكل هذه القضايا قضايا عقلية وخاضعة للاختيار، لكن عدم الإكراه ليس نهاية الطريق، فصحيحٌ أنّ الدين لا إكراه فيه، لكن تبقى أهميته في الحياة كما هي، ويبقى الإنسان على موقعه وأهميته مِن حيث أنه المخاطب بالدين، ومن حيث أهمية نجاته من فساد هذه الحياة ونتائجها الأخروية.

لتلك الأهميات، فُتِحَ طريق آخر لدعوة الإنسان لاعتناق الدين، معتقداً، ومنهجاً، للحياة، والطريق البديل عن الإكراه، هو الدعوة للدين بالحكمة، والموعظة الحسنة، قال تعالى ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ” (النحل-125)، كذلك الحوار والجدال بالتي هي أحسن، كما دعا إلى ذلك القرآن، وعزّزه بما حكاه عن ممارسة الأنبياء(ع) الذين مارسوا الدعوة لدين الله تعالى بمختلف الأساليب الحكيمة، الممزوجة بالإخلاص والمحبة، لدرجة التفاني طمعاً في نجاة أقوامهم، حتى لقد قيل لرسول الله (ص) “فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ” (فاطر-8)

ويمتاز هذا البديل بأنه متوافقٌ مع الناموس الإلهي القاضي بحقّ الاختيار لدى الإنسان، واحترام عقله وتفكيره، على عكس الإكراه الذي لا احترامَ فيه، لا لحقّ الاختيار، ولا لعقلٍ، أو تفكير، ولن يتمخّض عن إيمانٍ فعليّ بواسطته يستوجب مثوبة.

كما أنّ الدعوة الهادئة للدين تضمن السلام لحياة مكوّنات أيّ مجتمع.

ولمّا لم تلتزم الأمم بهذه القاعدة الذهبية في الدعوة للدين بهدوء وحكمة، ولمّا لم تلتزم باحترام حق الاختيار، وتعصبت لعقائدها وأكرهت الآخرين عليها، كانت العاقبة في معظم شوطنا البشري، تاريخاً مأزوماً، وحياةً مضرّجة بالعنف والاستبداد والمآسي والفساد.

لذلك فإنّ الدعوة الحكيمة للدين ليست فقط احتراماً لحقّ الاختيار عند الإنسان، وليست فقط احتراماً لعقله وأمنه كشخص، وإنما هو احترامٌ للحياة كلها.

وبذلك نتمكّن وفق قاعدة “لا إكراه في الدين“، ووفق الدعوة الحكيمة المحترمة للإنسان، نتمكّن من توفير شرط الأمن للحياة وتوابعه من نموّ وتطوّر، كحدٍ أدنى لحياة كريمة ينشدها الناس جميعاً.

بينما ممارسة الإكراه تسلب أوّل ما تسلب من الحياة عنصر الأمن، ما يؤدّي إلى قلة النموّ وتعثّر التطوّر!

والذي أنزل هذه الأمة من مقامها الأرقى -حتى تلاقفتها أيدي الاستعمار والاستبداد- هو تنازعها ومن ثم فشلها، والله تعالى حذّرنا فلم نأخذ حذرنا، قال سبحانه: “وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا” (الأنفال-46)، لكن فيم تنازعنا؟ ألم نتنازع في أيّنا هو الأصحّ؛ عقيدةً وطائفة؟

ألم يجرّنا ذلك التنازع إلى إكراه بعضنا بعضاً على ما يراه كل طرف من الدين؟ ألم يجرّنا الإكراه لممارسة ذيوله من الوقيعة بالآخر، والحكم بضلاله وكفره، والإيذاء اللفظي والفعلي به إمعاناً في إكراهه، واستعجالاً في ترك معتقده؟

هكذا كان المتعصبون في كل طائفة وفي كل دين -وما يزالون- يتلاعبون بمصائر هذه الأمة البشرية، ولن ينقطعوا، ولن تنقطع آثارهم، إلا إذا صمّم الجميع على العمل بقاعدة “لا إكراه في الدين” تاركين للناس ما تركه الرحمن لهم، “فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف-29)، “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس-99).

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *