وَاجْعَلْ لِي لِسَان صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (الشعراء- ٨٤)

أسّس إبراهيم(ع) منهجه الحنيفي الفريد قبل أن يطلق كلمته الخالدة هذه، منذ صغره كان فتىً مختلفاً، راشداً في أوساط العتمة والضلال ، صنع في نفسه الاستقرار الداخلي، وشَحَذَ قواه الذاتية وحرّر عقله من الزيف ، وأصرّ على التعالى على الأفكار السلبية، والمضي في اكتساب الوعي الإنساني والسمو الأخلاقي ، فأظهر القوة التي وهبته القدرة على خوض معركة الإصلاح ، ومواجهة الدعوات المتنافرة والعقائد الخاوية، والاستعداد للصمود أمام المشاكل والآلام وتقلبات الحياة، والإصرار على النجاح والعزم على تخطّى العقبات ،هو رائد المنهج الإنساني «الحنيفي»، الذي يدور مع الحق حيثما دار، يعلي الجوهر ولا يلتفت إلى القوالب يهتم أساسا بتحرير الإنسان، واحترام العقل، والتمرد على الجهالات بشجاعة وإقدام، ثم العمل الدءوب والتفاني في أداء الواجب.

بعد أن صنع المنهج، وأدى أدواره تامّة ، وكان في الناس أمّة، أطلق هذا الدعاء الخالد، كلمة أبدية صادقة، فكان لها بعدان الأول يقع تحت مسئوليته هو، لأنّه يدرك تماماً بأنّ الدعاء يتطلب تأسيساً لواقع آخر، فعمل إبراهيم(ع) على نشر منهجه العقلاني ودعوته الرحمانية إلى أبعد نقطة ، ليهتدي بها الناس، فيثبت له لسان صدق في قوم آخرين، يؤمنون بدعوته الحنيفية، حمل إبراهيم(ع) منهجه عبر «ألسنة صدق»، رسل يبلغون عنه ويمثلونه، يحملون خطابه، وينشرون مبادئه، عمل إبراهيم (ع) على صناعة أناس “إبراهيميين»، فهو أول من أذن في الناس بالحج، فجاء الناس يتقاطرون إلى المركز؛ التقاهم ،فهداهم إلى منهجه، وركز على تنمية قدراتهم الداخلية، فبرزت فضائلهم وتفجرت طاقاتهم، وأصبحوا مؤهلين لتمثيل رسالته وتبليغ دعوته.. كانوا أمثلة حقيقية لإبراهيم(ع)، احتذوا حذوه وساروا بهداه، ومثلوه خير تمثيل في أمم آخرين، إذ كانوا نسخاً من إبراهيم(ع)، و«ألسنة صدق” في أقوامهم في ” الآخرين” هناك القاطنون في نقاط بعيدة، وبذلك انتشرت الدعوة الإبراهيمية الحنيفية من الأقطار، حتى لقد وصلت إلى الشام وفارس وتجاوزتها .

وهناك بُعد آخر لدعائه، بُعد يخترق الأزمنة ، ليس لإبراهيم فيه تأثير مباشر، لكنه استجابة لهذه الكلمة الصادقة. فلقد حفظ منهج إبراهيم عبر الزمان ،و بقي له لسان معبّر عنه بالصدق – هذا المنهج الرباني كان له حَمَلة «صدق ” من بعده، احتضنوه ورعوه حق رعايته ، سلسلة من السادة النجباء كان أشرفهم خاتمهم محمد النبي الأمين ، فهو لا سواه دعوة إبراهيم، لا أصحاب المزاعم الكاذبة (اليهود) ممن يدّعون أنّهم أولى الناس به. لقد صدّقه محمّد ككلمة طيبة اخترقت الأزمنة، فكان هو المثال الكامل الأمين لمنهج ومبادئ إبراهيم، هو اللسان الحقّ المعبّر عن الدعوة الإبراهيمية الحنيفية، هو ومن يتبعه -عبر الزمان- أولى الناس بإبراهيم ، هم ألسنة الصدق لابراهيم(ع) منهجاً وسلوكاً وعملا وأخلاقاً .

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *