الإسلام: هل هو دين محمد؟

الإسلام: هل هو دين محمد (ص) ؟

رغم أن تسمية الإسلام قد اختص بها أتباع محمد (ص) إلاّ أنّ القرآن يعتبر الإسلام هو دين الله الوحيد منذ آدم وحتى يوم القيامة وأن كل الأنبياء والرسل إنما جاءوا بدين واحد في أساس العقيدة ثم اختلفوا فيما عدا ذلك من الوصايا والآداب والتكاليف كل بحسب ظرفه وزمانه. فكل أتباع الديانات مسلمون مقبولون عند الله يوم القيامة شريطة أن يحتفظوا بدينهم وخاصة أساسه العقائدي سالماً غير محرّف وأن يتبعوه العمل الصالح.

تسمية أتباع التوحيد بالمسلمين أمر ذكره القرآن مراراً في آيات عديدة:

قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَاللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِمَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّاللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ}) آل عمران 19( ففي هذه الآية تقرير شامل ووصف واحد لكلدين من عند الله وهو الإسلام ولا شيء سواه، وكل اختلاف حدث عند أهل الأديان السماويةعن الإسلام إنما هو بسبب البغي بينهم.

فدين آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسىومحمد والنبيين هو واحد بل كل دين من عند الله فهو واحد وهو الإسلام. فالكل مسلم، فهذامسلم على شريعة آدم، وهذا مسلم على شريعة نوح، وهذا مسلم على شريعة إبراهيم، هذا مسلمعلى شريعة موسى، هذا مسلم على شريعة عيسى، وهذا مسلم على شريعة محمد صلى الله عليهمأجمعين.

ولقد قال سبحانه وتعالى معقّباً:{أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِطَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ، قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَاوَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِوَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَأَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًافَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران 83-85).

فالإسلام هو دين الله لسائر الأنبياءوالرسل، قال تعالى:

{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَأَنْ آمِنُـواْ بِي وَبِرَسُـولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَـا مُسْلِمُونَ})المائدة 111)،

{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيوَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (النمل 44)،

{وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواآمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}( القصص 53)،

والآيات في ذلك عديدة التي تسمي كلأصحاب الأديان السماوية بالمسلمين، وهنا ينبغي علينا أن نعي ما هو الإسلام الذي هودين كافة الأنبياء، وما هو المقدار المشترك بينها جميعاً بحيث ينجو من تمسّك به ويكونمقبولاً عند الله.

إن هذا السؤال مهم جداً حتى بالنسبةللمسلمين أنفسهم، إذ يجد المسلم الحرّ المستقل أنه أمام خيارات مذهبية لا حصر لها وليسعنده من الوقت ما يكفي لينفقه في تتبع كل هذا، وإن وجد الوقت فليس عنده ما يكفي منالقدرة العلمية للتمييز، وقد تكدّست على تعميق الاختلافات أقلام العباقرة والأذكياءوسنّوا فيه سنناً من الاصطلاحات والاختصاصات يضل فيها العالم المتحرّي فكيف بالعاميمن الناس.

والأمر ينطبق على كل طالب حق من الناسمن غير المسلمين فلا يكاد الواحد منهم ينتمي لدين حتى يجد أن أبواب المتاهة أمامه مشرعةفإن أسلم فهو مسلم عند مذهب واحد فقط ولكن كثيرين من المسلمين لا يجدون إسلامه صحيحافهل يكفي العمر لمثل هذه المتاهات ؟ وإن تنصّر أو تهوّد فالأمر سيّان في التعقيد والحيرة،خاصة في هذه الأيام حيث فقدت كل الأديان نقاوتها ووضوحها، وفقدت قبة الميزان فيها باختلافأهلها على بعضهم. إذاً معرفة الإسلام المقبول عند الله ضرورية للجميع لئلا يغرق الباحثفي عالم التمذهبات، فلنذكر الآيات التي حددت طريق النجاة ثم نأخذ العامل المشترك الأصغربينها حيث نكون بذلك قد وقفنا على القاعدة الضرورية أو الحدّ الأدنى للنجاة، ثم منشاء أن يترقّى فليترق في الأسباب.

  • {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَهَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِوعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (المائدة 69).

  • {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَهَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِوَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْوَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} (البقرة 62).

  • {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍأَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْأَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل 97).

  • {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَصَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى} (الكهف 88).

  • {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْعَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} (طه 75).

  • {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَعَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَاللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الفرقان 70).

  • {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمبِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَلَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} (سبأ37).

هذه المجموعة من الآيات تتحدّث عنطريق النجاة في كل الأديان ولكلّ البشر سواءً كانوا على دين معروف أو على غير دين معروف،فما هو العامل المشترك الأصغر بينها ؟

إنه شيئان: الإيمان بالله والعملالصالح، وإذا ما علمنا بأن الشرك محبط لجميع الأعمال وأنه الذنب الذي لا يُغفر أبداًوجب علينا إيضاح العبارة بإضافة التوحيد هكذا: الإيمان بالله وحده والعمل الصالح، والشركالمقصود هو الشرك الصريح الواعي.

ولو رجعنا إلى مجموعة الآيات الأولىلوجدناها تصرّح بأن الإسلام هو الإيمان بالله: {قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَامُسْلِمُونَ} (المائدة 111)، {قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَاإِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} (القصص 53)، {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُنَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (النمل 44).

فالإسلام قائم على قاعدة الإيمانوللنجاة لا بدّ أن يتبع هذا الإيمان بالعمل الصالح، وهذا أمر قد تكرّر كثيراً في القرآن:آمن وعمل صالحاً، و إذا افترقا فلا قيمة عند الله في الآخرة لأي منهما. فالإيمان لايعدّ مغنياً وحده في الآخرة، بل لا يعدّ صادقاً. والعمل الصالح بدون الإيمان تنحصرالإثابة عليه في الدنيا فقط. وإذا قرّرنا ذلك فهل ينحصر الإيمان بالله وحده تحت لواءالأديان السماوية ؟ بالنسبة للجماعات فتاريخياً اقتصر ذلك على جماعة الأديان السماويةفي مراحل نقاوتها على الخصوص، إذ رغم أن الإيمان بالله وحده هو الفطرة إلاّ أن الآثارالاجتماعية، والمرحلة البشرية الحيوانية التي مرّ بها الإنسان، قد جعلت من الحواجبالشيء الكثير تحول دون الاهتداء إليه، أو تجعله بعيد المنال خاصة للعامة من الناس،وكذلك فعلت بالنسبة لتحديد الأعمال الصالحة. إلاّ أن الإنسانية اليوم وبفعل تراكم التربيةالإسلامية من آدم حتى محمد “صلوات الله عليهم أجمعين” قد أثبتت في الفطرة الإنسانيةأعمالاً تجمع الإنسانية على حسنها أو تكاد، من مثل فضل الزواج على الزنا، وحسن حفظالعقل بعدم السكر، وحسن الأمانة في الأموال، والوفاء بالعهد، وقول الصدق، وحفظ أموالاليتيم، وحفظ الأمن والدماء وغيرها من الفضائل التي لا خلاف عليها بين بني الإنسان.فهذه هي أصول العمل الصالح، فمن التزم بها مؤمناً فلا خوف عليه ولا هو يحزن.

فمن آمن بالله وحده ومارس ما اهتدىإليه من هذه الأعمال الصالحة الفطرية ولم يقع في مخالفاتها أو تاب منها بعد الوقوعفهو مسلم، سواء كان على دين أحد الأنبياء أو لم يكن على دين. بل من استطاع أن يهتديلها بفطرته دون إرشاد من نبي فهو في مصاف الأولياء، وهل يصل لهذه الدرجة إلاّ الأوحديونمن الناس كإبراهيم ومحمد وأمثالهما “صلوات الله عليهما وآلهما”.

فمما لا ينبغي الشك فيه لو أن إنساناًفي مكان ما من العالم عرف الله بالنظر والتفكر وعمل صالحاً باتّباع عقله وفطرته لميسمع بدين ولا ملة ولم يهتد بهاد منهم، فإنه قد بلغ العلى وإن لم يُصلَّ الفرائض الخمس،ولم يصم رمضان، ولم يحج البيت ولا زكّى. بل أين فعل هذه الأشياء في علو الدرجة من ذاكالذي وجد آباءه على ملة، فإن ذاك مع الأنبياء قد اقتحم من العقبات مالا يقتحمه غيرهم.فالإسلام الذي هو الدين المقبول عند الله ولا مقبول سواه هو الإيمان بالله وحده والعملالصالح ولو في حدود الفطرة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن فعل العمل الصالح يتفاوت، فقدلا يهتدي البعيد عن هدي النبوة إلاّ للأمور الأساسية منها؛ ولا بأس.

ومن هنا نفهم أنّ من كل الأديان يوجدمسلمون ويمكن أن يوجدوا وأن الحساب ليس على المسميات بل على جواهر الأشياء، ولا عجبإن سميّ يوم القيامة بيوم التغابن فكم من أحد يظن أنه في أعلى علييّن وإذا هو من أسفلسافلين، وكم من محتَقَر في الدنيا لا يُرى أنه على شيء، فإذا هو في أعلى علييّن، وربكالعدل ذو الرحمة الواسعة ولا يظلم ربك أحداً، هذا القول على وضوحه قد تثار عليه جملةاعتراضات.