الإنسان والطبيعة نغمة واحدة

pic2

ملايين البشر عاشوا في الأزمنة الغابرة ولا زالوا إلى يومنا هذا يعيشون على نفس الأرض يتدافعون فيها، ويتنازعون على مواردها الطبيعية، ويشتركون فيما بينهم في كثير من الأمور المعاشية والحياتية، إلا أنّهم يختلفون كثيراً في نظرتهم للحياة..فهناك الإنسان العادي الذي يرى أن الحياة الدنيا فرصة للتنعّم بخيراتها وملذاتها وإشباع غرائزه، فهو يعمل لتأمين معاشه ويسعى للزواج لتكوين أسرة وإنجاب الأولاد، ويحب أن يعيش آمناً سالماً ومعافى وأبعد ما يكون عن كل ما ينغص عيشه من مشاكل أو أمراض، تلك هي نظرته للحياة وأقصى مطلبه منها.. وهناك من يرى الحياة مجالاً لتحقيق ذاته وبلوغ أعلى درجات النجاح..وهناك من يرى نفسه سيداً في هذا الكون وهو الأحق بخيراته فيظلم وينهب ويعيث في الأرض فساداً.. وهناك من يراها مزرعة للآخرة بالمنظور العبادي فيعكف على ممارسة العبادات والإكثار من الأوراد والصلوات والصيام.. وهناك من يراها الميدان الكبير لممارسة وظيفته ومسئوليته الإلهية وهي “خلافة الأرض” وعليه يقع عبء إعمارها، كما يجدها مجالاً لتحقيق الغاية من خلقه وهي الكمال والإبداع والعمل من أجل رقي الإنسانية وتطورها. تلك هي عبادته التي يضعها دوماً نصب عينيه متطلعاً إلى تحقيقها ساعياً لبلوغها، وهذا الأخير هو الإنسان الواعي الذي أدرك الغاية من وجوده؛ لذا فبحثنا هذا موجّه لكل تلك الفئات علّهم يجدون في ثناياه ضالتهم المنشودة!

وما نشهده اليوم من انتشار الحروب والكوارث الطبيعية وتفاقم الصراعات بين دول العالم، ونضوب الموارد الطبيعية، وتفشّي الأوبئة المهلكة وظهور أمراض لم تُعرف من قبل، وازدياد أعداد الأطفال المشوهين والمعاقين جسدياً ونفسياً، بسبب إفرازات الحروب وما يُستخدم فيها من أسلحة بيولوجية وكيماوية محظورة نجم عنها التشتت الأسري وضياع للأبناء، ناهيك عن حالة البؤس والشقاء والحزن التي تلف العالم من حولنا، وطغيان عالم المادة على عالم الروح وتهالك القيم الأخلاقية… كلّ هذه الأمور مجتمعة انعكست على الإنسان وأثرت سلباً على نفسيته ونظرته إلى الحياة وحجّمت طاقاته وقدراته التي أنعم الله بها عليه، علاوة على أنّه لمّا عزل الكثير من الأمور الجوهرية في حياته مثل قوة الإرادة والتركيز الذهني بالتفكّر والتأمّل وممارسة الشعائر وتفاعله معها روحاً وجسداً، صار (إنساناً حديثاً) ناقصاً بعد أن كان إنساناً كاملاً في البداية (من جسدٍ وروح وعقل)، وهذا (الإنسان الحديث) صار ثلث إنسان بعد أن فقد جانب الروح والعقل. فهل من أمل لاستعادة تلك المواهب والطاقات الربانية وبلوغ الكمال؟ وهل من طريقة للحدّ من هذه الكوارث والتخفيف من حالة البؤس والمعاناة ؟ .. وهل هناك ما يمكننا عمله لتحقيق السلام العالمي والسلام الداخلي والسعادة للبشرية جمعاء ؟

إن الجواب على بعض ذلك يكمن في موضوع بحثنا الذي سوف نستعرض فيه العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والتعرف على قوانينها، وتعريف المحبة الحقيقية ونعرج إلى نظرة الطبيعة لنوعية العلاقة الزوجية وأثرها على الأبناء وغير ذلك من الأمور الهامة التي تكشف لنا الكثير مما نجهله عن العلاقة الوثيقة بين تصرفاتنا وتعاطينا مع الطبيعة وبين سر شقائنا أو سعادتنا!!

و”الطبيعة” التي هي مدار بحثنا هي المنظومة الكونية التي خلقها الله سبحانه وأودع فيها جميع خلقه وأرسى فيها قوانينه الإلهية ونواميسه التي تكفل انتظامها وبقاءها. وقد كانت الطبيعة عند القدماء موضع تقدير واحترام وتقديس، وليس في ذلك شيء من المبالغة بالنسبة لهم، بل هو اعتراف متواضع منهم بعظمة الطبيعة وكرمها غير المحدود .

سمات العصر الحديث وغربة الإنسان

ثورة معلوماتية كبيرة وتطور هائل في وسائل الاتصال، فأصبح العالم قرية صغيرة.. وفي الوقت نفسه تزداد العزلة الاجتماعية ويقل التواصل الإنساني! الإنسان العصري يغزو الفضاء ويكتشف مجاهيل الغابات والصحاري والقفار ويسبر أعماق المحيطات.. ويعجز عن اكتشاف أو معرفة أقرب الأشياء إليه.. نفسه! فهل نعجب إذا لم يعرف ربه؟! التخمة الاقتصادية والعلمية.. والخواء الروحي، اكتشاف المزيد من أجهزة الأمن والسلامة ويبقى الإنسان خائفاً من نفسه ومن كل ما يحيط به ويُعدم الأمان الداخلي والطمأنينة .

الإنسان الغريب

من أهم أسباب شقاء الإنسان اليوم هي “الغربة” التي يعيشها مع الطبيعة، فالفجوة كبيرة بين الإنسان وأمّه “الكونية” الطبيعة، وكلما ازداد تحضراً ورقياً في مجال العلوم والتقنيات، كلما ازداد بُعداً وعقوقاً لها وأمعن في تدميرها والإساءة إليها، جاهلاً بحقوقها ومتطلباتها، وأوضح مثال على ذلك الانتهاكات البيئية واستنزاف الموارد الطبيعية والإفساد في الأرض بشتى أنواعه. ولتخفيف شقاء الإنسان وإحساسه بالغربة لابدَّ من رجوعه إلى أمّه (الطبيعة) والعودة إلى أحضانها والعيش في كنفها محترماً قوانينها ونظامها الرباني البديع، معملاً فيها تفكيره، متأملاً في موجوداتها، حاملاً محبته لها ومشتملاً على أخلاقها السامية أينما كان وأينما حط رحاله.. فذاك هو درب السلامة والكمال! فالطفل (في الظروف الطبيعية) على سبيل المثال عندما يتربى في أحضان أمٍ صالحة ترعاه وتحنو عليه وترضعه عصارة المبادئ والقيم الأخلاقية، تنشأ بينه وبين أمّه علاقة وثيقة ومحبة عميقة، ويتعلم منها الكثير فيغدو عارفاً بما تحب وتكره، ويسعى جاهداً لإرضائها وتجنب ما يغضبها، وتتوثق عرى المحبة بينهما حتى ليشعر الابن أن لا حياة له بدونها وأن ما يؤذيها يؤذيه هو بالدرجة الأولى. إن طفلاً كهذا لا تخاف عليه أمّه عندما يكبر ويبتعد عنها؛ لأنه توفّرت له أسباب المحبة الحقيقية وعلم ما ينفعه وما يضره وعليه أن يشقَّ طريقه في الحياة وفق المبادئ التي أرضعته إياها، فنرى أنّ كل ما يقوم بعمله يكون متوافقاً مع مبادئ أمّه، ومنسجماً مع تعاليمها. وعلى العكس من ذلك فالطفل الذي ينشأ ويتربى بعيداً عن أمّه (أو من يقوم مقامها) لن تنشأ بينه وبينها هذه العلاقة الوثيقة ولن يستطيع الانسجام معها لأنه يجهل طبيعتها ومبادئها فلا يبعد أن يعيش هذا الطفل حياة بائسة معرضة للمهالك والشقاء إن هو حُرم الرعاية والاهتمام. وهكذا حالنا مع أمّنا “الطبيعة” تلك التي احتضنت الإنسان في صدرها كما احتضنت أي كائن آخر. فكلما توثقت العلاقة بيننا وبينها وتعرفنا على قوانينها وانسجمنا مع نواميسها، عشنا بسلام وأمان وسوف تثيبنا وتكافؤنا على ذلك بأكثر مما نتوقعه .

أهميّة الموضوع وعلاقته بتطوّر البشريّة وتكامل الإنسانيّة

إن الإنسان ليستطيع بقليل من التفهم والتفكّر في أمور الطبيعة وقوانينها أن يجنّب نفسه الكثير من الويلات والعواقب الوخيمة التي قد تحدث نتيجة جهله بالطبيعة، والحق أن الإنسان يجب أن يتعرف على كل ما يحيط به في هذا الكون الشاسع لأنه جزء منه. وليس من الحكمة أن يبذل الإنسان جهداً كبيراً في التعرف على الطبيعة في المجالات التي تلبّي حاجاته المعيشية فقط ويهمل الجوانب الأخرى فيخسر الكثير مما يمكن أن يضيف لمخزونه المعرفي وتغيب عنه الجوانب الخفية في علاقته بالطبيعة وأسرارها التي يمكن أن تشكّل فتحاً علمياً يقود إلى تطور البشرية كما حدث مع الكثير من العلماء والمخترعين الذين توصلوا إلى اكتشاف قوانين الجاذبية والنظرية النسبية وتوغلوا في الفضاء وسبروا أعماق البحار. إلا أن هذه الاكتشافات والمعرفة المتعلقة بالجوانب العلمية لا تلبّي كلّ حاجات الإنسان وتطلعاته التي ينشدها من الحياة، إذ لا يزال هناك البعد الآخر الخفي في خصائص الطبيعة وقوانينها التي تحتاج إلى اكتشاف ومعرفة والتي لابدَّ من معرفتها وكشف أسرارها لتتكامل المعرفة بالطبيعة .

الإنسان وأمّه (الأرض)

الأرض جزء من المنظومة الكونية التي وضعها سبحانه للأنام في قوله (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ)(الرحمن:10)، والتي حظيت بالعناية والبركة الإلهية (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ)(فصلت:10)، والأرض هي ميدان عمل الإنسان وممارسة دوره فيها، وهي التي جعلنا الله مستخلفين فيها وأمرنا بإعمارها (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها((هود:61)، وبين الإنسان والأرض علاقة وثيقة فهي بمثابة أمه التي خرج من بطنها، وخلق الله سبحانه مكونات جسمه من مكوناتها (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)(طـه:55) وهي الوعاء الذي يحتضن جميع الأجسام (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً) (المرسلات:25)، (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً)(نوح:17) وهذا يعني أن على الإنسان أن يتعامل معها بكل محبة واحترام ويتعاطى مع المخلوقات الأخرى التي تعيش فوقها بكل عناية ورفق ويشعر بالمسئولية تجاهها فهي المكان الذي أنشأه الله منه وجعله خليفة له فيها لإعمارها وليس لتدميرها (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ)(الأنعام:165) ويرسم لنا التراث صورة لتقديس الأرض ومكانتها عند الأقدمين. قال ديميتري أفييرينوس: “علاقة الإنسان بالأرض (التراب) أكثر من أن تكون تاريخاً وعادة وألفة وعبوراً. إنها علاقة كينونة وصيرورة. تحيط الأرض الأم بجسم ابنها وتتخطَّاه. فيها وبها يتكوَّن، وفيها يذوب. منها يظهر وفيها يغيب: في الأرض بُعدٌ خفيٌّ لا يمكن ردُّه إلى مجرَّد المادية. وهي، بوصفها المنشأ والمآل، الأكثر تآخياً مع الجسم الإنساني، والأكثر غموضاً. إنها النشأة الأولى والدهشة الأخيرة”. وفي أحدى الأناشيد المنسوبة إلى هوميروس يقول فيها عن الأرض:

“أغني الأرض، المستوية على عرشها آمنة، أمَّ كلّ الأشياء، الجدَّة الجليلة التي تقتات من تربتها كلُّ الموجودات. لكِ سلطان منح الحياة للبشر واستردادها منهم”.(1)

لذا فإنه من الأهمية بمكان أن يتأمّل الإنسان في علاقته بالطبيعة بشكل عام ويوليها القدر الكبير من التفكّر والاهتمام، وأن ينشئ معها علاقة طيبة تربطه بها وبكل الموجودات فيها من حيوانات ونباتات وجبال ومياه وسماء ونجوم، فتلك ظاهرة من مظاهر الرقي والتطور الإنساني وخطوة نحو تحقيق الحضارة الفاضلة. والإنسان الممهّد لهذه الحضارة الراقية يجب أن يتعامل بوعي واحترام مع كل ما يحيط به، فالمخلوقات جميعها من (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)(النمل:88) ووجودها مهم لحفظ التوازن البيئي، فالحشرات الضارة والحيوانات المفترسة والنباتات أو حتى الفطريات والبكتيريا التي لا تُرى بالعين المجردة لها أدوار هامة تقوم بها في حفظ هذا التوازن، وأي إساءة أو إبادة لأي نوع من الكائنات الحية سوف تُخلّ بهذا التوازن وتظهر آثاره السلبية على الجميع. وعلى الإنسان أن يعيَ أنّ دوره لا يقتصر فقط على العلاقات الإنسانية بل يتعداه إلى علاقته بالكون كلّه فينظر إليه بشمولية ويرى نفسه فيه ويرى الكون في نفسه كما جاء في قول الإمام علي بن أبي طالب (ع) :

دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ         وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ
أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغير          وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ
فَأَنتَ الكِتابُ المُبينُ الَّذ        ي بِأَحرُفِهِ يَظهَرُ المُضَمَرُ
وَما حاجَةٌ لَكَ مِن خارِجٍ     وَفِكرُكَ فيكَ وَما تُصدِرُ(2):

وهذا ما يتوافق مع مفهوم “الهولوغرافية” وهو أنّ الجزء يؤثر في الكل ويتأثر به بنفس المقدار.

غايــة الخلــق

الإنسان جزء من هذا الكون الشاسع المترامي الأطراف، وهو بدوره المُكلّف باستخلاف الأرض وإعمارها، لذا لابدَّ من أن ينظر إلى هذا التكليف بعين الاهتمام ويوليه العناية الفائقة لكي يستطيع بلوغ غايته من وجوده وبما يكفل تحقيق التطور والرقي والتكامل الذي ينشده في ظل الحضارة الفاضلة. والقرآن الكريم يوضح لنا هذه الغاية بقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(الذاريات:56) والعبادة بمعناها الأعمّ والشامل لا تنحصر في أداء التكاليف الشرعية من صيام وصلاة، بل تتعداها إلى أمور أخرى كثيرة، “الدين النصيحة”(3) (وكلمة “العبادة” هي من فعل “عبِيدْ” وهي في السرياني والفينيقي بمعنى عمل/اشتغل/أبدع/اخترع/أتقن/خدم/أطاع، أي من أجل أن يبدع ويشتغل ويتقن ويطيع..الخ. فالآية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(الذريات:56) أي ليُبدعوا ويعملوا ويطيعوا .. بما يخدم التوازن الطبيعي، لأنّ الله سبحانه خلق كل شيء لقوله: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) (الرحمن:7). أي مِنْ أجل أنْ يحافظ على هذا التوازن الربّاني وبما يرضي الله).

فالعبادة الحقيقية إذن هي الإبداع والتطوير والتكامل، وأنّى للإنسان أن يبدع ويكتشف ويطوّر وهو غير مطّلع على كثير من مكونات الطبيعة وغير ملمّ بأسرارها وخصائصها، بل وغير متفهّم لحقيقتها؟ إن اكتشافاته وإبداعاته ستغدو لا محالة ناقصةً. والكون مليء بالمخلوقات المختلفة في تكوينها وكلها تمثل جزءاً هاماً في منظومة كونية هائلة، وجميع هذه المخلوقات تدور في فَلَكٍ كبير مسبّحةً بحمد ربها (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)(الاسراء:44)، وأحد مصاديق تسبيح الطبيعة هي القوانين التي تتبعها بحرفية بالغة لا تحيد عنها قيد أنملة ولا تحابي فيها أحداً. فإذا لم يسعَ الإنسان إلى التعّرف على الكون الذي يعيش فيه وطبيعته وقوانينه التي يسير وفقها من خلال التدبر والتفكّر في ملكوت السموات والأرض والتأمل والنظر في المخلوقات (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ)(الغاشية:17/18) وغيرها من الأمور المحيطة به، فإنه لن يتمكن من القيام بدوره الاستخلافي في الأرض ولن يستطيع تحقيق الغاية من خلقه، وسوف يتعب ويشقى من جرّاء انتهاكه لبعض قوانين الطبيعة وجهله بها. ومثال على ذلك البحر الكبير أو المحيط الذي يسبّح لله بطريقته الخاصة التي لا نعلم ماهيتها ولكننا نعلم أنه يجري وفق قوانين خاصة به، ويتمتع بخصائص خاصة بطبيعته، ومن يريد الإبحار فيه بسلام والوصول إلى بر الأمان لا بد أن يكون ملمّاً بتلك القوانين وعلى علم بطبيعته ومتوفراً على فنون الملاحة في ظل الظروف الجوية المختلفة، وإلا فسوف تتعرض حياته للخطر وقد يلاقي حتفه نتيجة جهله.

تناغم الإنسان والطبيعة.. كيف؟

التناغم أو الانسجام والمحبة والاحترام المتبادل من الشروط الأساسية لنجاح أي علاقة بين طرفين، فالعلاقة الزوجية والصداقة وغيرها من العلاقات الاجتماعية وحتى علاقة الإنسان بربه لكي تنجح لابد أن يسودها الانسجام وتكتنفها المحبة والاحترام لتكون علاقة ناجحة بحق. والمعرفة هي حجر الأساس في تلك العلاقة. فالزوجان اللذان يرومان علاقة أسرية ناجحة يجب أن يتعرف كل منهما على طباع الآخر ويتفهم نفسيته ويعرف ما يحبه وما يكرهه لكي يتمكن من التكيّف والتلاؤم معه ويتجنب القيام بعمل يؤذي شريك حياته.

والشيء نفسه ينطبق على علاقتنا بالطبيعة، فلكي ننجح في إنشاء علاقة وطيدة معها ونحظى بخيراتها ونأمن عقابها وثورانها يجب أن نتوفر على المعرفة الكافية بها ونحترم قوانينها ونرتقي في معاملاتنا وعلاقاتنا بالمستوى الذي تتعامل به مع كل موجوداتها بطريقة عادلة ومنصفة. وإذا ما اقتربنا أكثر من الطبيعة سوف نذهل من العلوم والأسرار المودعة فيها ونعجب من الخصائص المثيرة التي تزخر بها فالطبيعة تُعلمنا معنى المحبة الحقيقية، والنظام الكوني الدقيق، والذكاء الخارق، والأخلاق السامية، ويمكن القول باختصار إن معرفتنا بالطبيعة وتناغمنا معها هي أول خطوة في مسيرتنا نحو الكمال المنشود!

دروس راقية من وحي الطبيعة

1. الحياد والموضوعيّة “الطبيعة لا تحابي أحداً!”
تفعّل الطبيعة قوانينها على كل الناس وكل الموجودات بشكلٍ عادل، وهذه من أبرز سننها ونواميسها، فهي قد فُطرت بشكل تتعامل فيه بالتساوي مع كل ما هو موجود فيها، وتكون ردة فعلها هي نفسها لكل من ينتهك قوانينها أو يخالف طبيعتها. فإذا هوى طفلٌ رضيع من مكان مرتفع فإنه ساقطٌ لا محالة إذا لم يعترضه شيء أثناء سقوطه لأن الأرض بحكم قوانينها الطبيعية (قانون الجاذبية) تجذب الأجسام نحوها ولا تكترث بماهية أو هوية الشخص الهاوي ولن تحابيه لأنه طفل رضيع أو شيخ كبير. وهذه الحقيقة مهمة جداً لئلا يتبادر إلى أذهان الناس أن المؤمن محفوظ من الأخطار والحوادث ولن يصيبه أي مكروه في حياته، فالأمور تجري وفق مسبباتها.

2. الذكاء الكوني
تتمتع الطبيعة بذكاء كوني خارق (وهذه إحدى خصائصها الفريدة) وهي بذلك لا يمكن خداعها، فالإنسان يمكن أن يخدع أخاه الإنسان أو يتصنع محبته أو يضمر خلاف ما يُظهر كما هي حال عامة البشر اليوم، ولكن هذه المخادعات لا تنطلي على الطبيعة. فالمفسد في الأرض مهما تظاهر بالصلاح أمام الناس ونجح في تمثيل دوره وحاز على محبة الناس أو رضاهم فإنه لا يستطيع تمرير هذه الكذبة على الطبيعة! فهي تعلم حقيقته وتنظر إليه على هذا الأساس. وليس هذا بمستغرب لما تحتويه الطبيعة من غرائب وأسرار مدهشة لم يتوصل الإنسان إلى معرفتها بعد، ولا يزال أمامه الكثير الذي لم يكتشفه. فالطبيعة كغيرها من المخلوقات التي أودع الله فيها الكثير من الخصائص بحسب الدور المنوط بها وهذه الخصيصة إحداها.

ونحن نرى أن بعض الحيوانات تقوم بأعمال أو تتصرف بطريقة يعجز عن إدراكها الإنسان فهي تستشعر الخطر قبل وقوعه كما في حالة حدوث الزلازل والأعاصير والبراكين، وحتى النباتات تتفاعل مع بعض الظواهر الطبيعية أو الأخطار بشكلٍ يثير الدهشة فنجد كيف أن شجرة التين حينما يداهمها قطيع من الغزلان تقوم بإفراز رائحة نفاذة منذرة أشجار التين الأخرى بقدوم خطر وتلك بدورها تفرز مادة ذات رائحة منفرة تُبعد الغزلان عنها!. فسبحانه الذي “قدّر فهدى”. وترى مدرسة علوم “الإيزوتيريك”(4) أو علوم الباطن الإنساني أن: كل ما في الكون واعٍ، أي أنه مزوّد بوعي من نوعه وعلى مستواه الخاص من التفتّح، فالحجر ليس خلواً من الوعي، فكما أنه ليس في الكون ثمّة قانون” أعمى” أو غير واعٍ، كذلك ليس فيه مادة ميتة أو صمّاء، فهذه كلمات لا مكان لها في قاموس الفلسفة الباطنية التي لا تكتفي بمظاهر السطح الخارجي (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)(النمل:88).

3. الأخلاق السامية للطبيعة
هناك الكثير من الأمور التي لا تنتهك قانوناً ولا شرعاً وفقاً لأخلاق المجتمع ولكنها ليست كذلك وفقاً للأخلاق السامية للطبيعة، ومثالها النفاق الاجتماعي (المجاملات والمبالغات)، الاحتكار التجاري، الانتهازية (الشطارة والفهلوة)، زواج المصلحة، انعدام الحبّ الحقيقي بين الزوجين، السلوكيات البيئية الخاطئة، النزعة الاستهلاكية.. ومثل هذه التصرفات المنافية للأخلاق الراقية بالنسبة للطبيعة بمثابة انتهاكات كبيرة تعاقب من يقترفها ويمارسها لأنها تُخلّ بالتناسق الكوني. فالطبيعة بحسب القوانين والفطرة التي أودعها الله فيها بإمكانها التمييز بين ما هو أخلاقي وغير أخلاقي، فهي تبارك الزواج القائم على الحب الحقيقي ويشكّل بالنسبة لها مقطوعة موسيقية في غاية الجمال والتناسق، وترفض ما يقوم على المصلحة الشخصية أو الإكراه وتظهر نتيجة ذلك على الأبناء ونفسياتهم. بل أنها لا تقبل أن يأتي الرجل زوجته بشهوة امرأة أخرى وتعتبره عملاً قبيحاً منافياً للفطرة السليمة، وقد أكدت على ذلك الأحاديث في تراثنا العربي التي تنهى عن مثل هذا الأمر. قال رسول الله (ص) محدّثاً أحد أصحابه “لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك، فإني أخشى إن قُضي بينكما ولد أن يكون مخنثاً مخبّلاً(5)”. المهم في الأمر أن جهل المرء بهذه القوانين لن يشفع له أمام الطبيعة ولن يكون بمنأى من سخطها إذا ما إن انتهك أحد هذه القوانين، وهنا تكمن أهمية “معرفة” الطبيعة التي أشرنا لها سالفاً.

وقد يتساءل البعض إذا كانت الطبيعة تعاقب من ينتهك حرمتها ويخالف قوانينها فلماذا لا زلنا نرى الكثير من المفسدين والظالمين يتمتعون ويلهون ويزداد ثراءهم ولا ينغص لهم عيش؟ والجواب على هذا إن الطبيعة معاقبة لهم لا محالة ولكن قد لا يكون العقاب ظاهرياً أو ملحوظاً للعيان، وهناك وجوه أخرى له كالقلق والاضطراب، وانعدام الأمن الداخلي والاكتئاب.. الخ. وعادة ما تخفى هذه الحقيقة على الإنسان المسرف في ظلمه وطغيانه فلا يفطن إلى أن ما يحدث له هو عقوبة، وجهله هو بحد ذاته عقوبة أخرى لأن فرصته في الاتعاظ والرجوع إلى نفسه ومحاسبتها تكون قليلة جداً إن لم تكن مستحيلة.

4. النظام الكوني الدقيق
كل المخلوقات في الطبيعة تسير وفق نظام كوني دقيق تحافظ عليه، فالمجموعة الشمسية تنتظم فيها الكواكب حول الشمس في مدارات محددة، والشمس تجري لمستقرٍ لها لا تتخلف عنه يوماً واحداً ويتعاقب الليل والنهار بشكل منتظم مستمر(لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)(يّـس:40) ودورة الحياة ودورة الماء هي نفسها لا تتغير وغيرها من الأنظمة الكونية. والإنسان مطالب بدوره أن ينسجم مع هذا النظام ويتفهّم معطياته ويحترمه ليتعلم منه الكثير ولا يحاول التمرد عليه كأن يظلم ويسرف وينتهك حرمة الآخرين و إلا سيكون مآله الهلاك والخسران .

5. المحـبة والحب الحقيقي!
قال ابن القيم الجوزيّة “بالمحبة وللمحبة وجدت الأرض والسموات، وعليها فُطرت المخلوقات ولها تحركت الأفلاك الدائرات وبها وصلت الحركات إلى غاياتهــا واتصلت بداياتها بنهاياتها وبهـا ظفرت النفوس بمطالبها وحصلت على نيل مآربها وتخلّصت من معاطبها واتخذت إلى ربها سبيلاً وكان لها دون غيره مأمولاً ورسولاً وبها نالت الحياة الطيّبة وذاقت طعم الإيمان”. والمحبة هي القوة التي تحرّك التطور والرقي والكمال وهي أهم قانون تجري الطبيعة عليه ووفقه، فكلّ ما يتوافق مع هذا القانون تنسجم معه وتتعاون لإنجاحه وازدهاره، وعلى العكس، فإن كلّ ما يتعارض معه، تقف له بالمرصاد شاجبة له وتعاقب عليه بحسبه. والعلاقات الإنسانية بالنسبة للطبيعة علاقة مقدسة سامية راقية يجب أن تتميز بالمحبة والانسجام لتكون مقبولة بالنسبة لها فتباركها وتُغدق عليها من خيراتها. والحب تعبير عن درجة تطور ورقي الفرد، فكلما تطور الإنسان وارتقى أخلاقياً كان أقرب إلى ممارسة الحب الحقيقي الذي ينعكس على سلوكه وتصرفاته ويتضح جليّاً في معاملاته ونظرته إلى الكون واحترام مخلوقاته ومظاهره والانسجام معها. والحبّ في العلاقة الزوجية بمعناه الراقي يترفع عن الرغبة أو الشهوة التي تجذب الرجل للمرأة فيعتقدان أنهما يحبان بعضهما البعض ولا حياة لأحدهما دون الآخر.. وهو يترفّع أيضاً عن الأنانية وحب الذات، فليس محباً من لا يكترث بالآخرين ولا يضعهم في دائرة اهتمامه. الحب الحقيقي بين الرجل والمرأة هو الحب الصادق والمتجدد دوماً وهما يسعيان نحو هدفٍ راقٍ موّحد يحقق لهما السعادة والتكامل .

ثمرات التناغم مع الطبيعة

1. الراحة النفسية والسلام الداخلي
إنّ كلّ المخلوقات في الطبيعة ما عدا الإنسان تسبّح لله وتسجد له كرهاً، والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يعبد الله ويسجد له طوعاً من غير إكراه (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)(الرعد:15) وهذه العبادة هي التي تُشعره بالراحة النفسية والطمأنينة (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28) ويستشعر منها وفاقاً مع الكون وانتظاماً في ناموسه، ذلك أن جسده مكوّن من مواد الأرض الطبيعية (التراب)، فإذا انصاع الإنسان لأوامر الله ونواهيه وجد نفسه في وفاق مع مكونات نفسه ومع الكون الذي يسجد لله كرهاً. أما إذا تمرّد على أحكام الله فإنه يكون بذلك قد خالف النظام الكوني، فيستشعر قلقاً واضطراباً نفسياً ويصبح مشتت الفكر، متشاكس الفؤاد لا يطيب له عيشٌ ولا يهدأ له بال. (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر:29).

2. النبات الطيّب والذريّة الصالحة
إنّ الزواج القائم على الحب الحقيقي والمشاركة الواعية لدور الأبوين يكون نتاجه رائعاً (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً)(الأعراف:58) فكما ذكرنا أن الزوجين المتحابين يولّدان مقطوعة موسيقية غاية في الجمال والتناسق، وتصدر عنهما ذبذبات منسجمة تنتقل إلى الجنين فتنعكس على نفسيته وتكوينه فينشأ طفلاً سوياً، متوازناً عاطفياً ونفسياً. وقد أثبت علم النفس أن استماع النساء الحوامل إلى النغمات والدغدغات الهادئة لمدة ساعة أو أكثر يومياً يساعد على إضفاء الهدوء على الجنين نتيجة تفاعل النغمات الموسيقية مع نفس الجنين بواسطة الأم. (إن الجنين يتفاعل مع كل ما يتلقنه من والديه، فإذا قرأ الوالدان دورياً من كتب حكايات الأطفال مثلاً لجنينهما (يقرآن له بصوتٍ مسموع وكأنه جالس أمامهما يناغيانه ويحدثانه بكل ما يروق لهما..) فإن كلامهما كله سيُسجّل في لا وعي الجنين.. بذلك يعتني الوالدان بالجنين نفسياً، ويرعيانه عاطفياً حتى إذا ما أتى إلى الحياة تكون كل الأجواء المادية والنفسية والفكرية قد تحضّرت قبلاً، وسيتجاوب بسهولة مع كل ما تلقّنه أو زُرع في لا وعيه وكأنه يتفتّح عليه مما يسهّل على الوالدين مهمة تنشئته ورعايته)(6). وقد أشار تراثنا العربي إلى هذه الأمور قبل أن يتوصل إليها علماء النفس وجاءت في الكثير من الأحاديث والمرويات. فقد حثت تعاليمنا الدينية على شدة الاعتناء بالعلاقة الزوجية وركزّت على المعايير المهمة التي يقوم على أساسها اختيار الزوج والزوجة “إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخُلُقه فزوّجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض”(7) ولم يكترث بالجمال أو الثروة والتي غالباً ما تكون دواعي زواج المصلحة، كما أشارت إلى بعض الأعمال المستحبة قبل أن يقارب الرجل زوجته كأن يتوضّأ ويصلّي ركعتين، واستحباب إتيان زوجته في بعض الأوقات والليالي وكراهة إتيانها في أوقات الكسوف والخسوف وغيرها؛ عن الإمام الباقر (ع) ” يُكره الجماع في اليوم الذي تنكسف فيه الشمس، وفي الليلة التي ينخسف فيها القمر، وفي اليوم والليلة التي تكون فيها الريح السوداء والليلة التي تكون فيها الزلزلة”(8). كما أكدّت على استحباب تسمية الجنين قبل ولادته ومخاطبته وقراءة القرآن والأدعية المتضمنة لمكارم الأخلاق وغيرها. جدير بالذكر أن هذه المستحبات تكمن وراءها حقائق علمية مدهشة. وبالمقابل فإن الزوجين غير المتحابين يحملان ذبذبات متنافرة تؤدي بالتالي إلى خلل في نفسية أبنائهم، فما هو المتوقع مثلاً من زوج يضرب زوجته ويهينها ثم يقوم بمعاشرتها وهما في هذه النفسية السيئة؟ قال (ص): “علام يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثمَّ يضاجعها من آخر الليل(9)” وهل يتوقع إذا انعقدت النطفة في تلك اللحظة أن يكون ابنه سوياً ومتوازناً عاطفياً أم يكون عرضة أكثر من غيره للاكتئاب والعدوانية والأمراض النفسية؟

3. مرض الإيدز
ألا يمكن أن يكون مرض الإيدز(نقص المناعة المكتسبة) نوعاً من العقاب للشذوذ الجنسي أيا كان نوعه؟ إذا كانت الطبيعة لا تقبل الزواج إذا لم يكن قائماً على الحب الحقيقي وتعتبره خطيئة وتعاقب أصحابه عليه فكيف تقبل العلاقات الجنسية الشاذة؟ إنّها بلا شك ترفض هذه الممارسة الخارجة عن الطبيعة الإنسانية لأنها تُخلّ بالتوازن وتنافي الفطرة السليمة والقانون الإلهي الذي شرعه للناس طريقاً للتكاثر والإنجاب، وقد يكون مرض “الإيدز” أحد ردود الطبيعة على هؤلاء الشواذ لاسيّما وأن هناك رأي يُشير إلى أن بداية هذا المرض كانت نتيجة اتصال جنسي بين إنسان وقرد! قال سيدنا محمد (ص) “لم تظهر الفاحشة في قوم حتّى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون والأمراض”(10).

4. البركات والخير العميم
الكثير من الكوارث الطبيعية الكثيرة التي نشهدها اليوم في مختلف أرجاء العالم من أعاصير وفيضانات وأوبئة هي إحدى ردّات فعل الطبيعة من جراء الإساءة إليها وانتهاك حرمتها. فإنسان عصرنا تمادى في إسرافه واستهتاره وعاث في الأرض فساداً واستنزف مواردها الطبيعية ولوّث أرضها وسماءها وبحارها وأمعن في تدمير موائلها (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(الروم:41) فهل ينتظر من الطبيعة إلاّ أن تُبدى امتعاضها وتردّ عليه بالمثل لعلّ ذلك يعيد إليه رشده. ولو أنّه انسجم مع الطبيعة واحترم نظامها الرباني وقوانينها الإلهية لأغدقت عليه الطبيعة من خيرها العميم ووهبته أكثر مما يتوقعه (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(لأعراف:96) .

ختامًا يمكن القول أنّ أمام الإنسان طريقاً طويلاً ينبغي عليه أن يسلكه بكل وعي وتأنٍ، محيطاً بالحب والانسجام كل خطواته ليساهم في تحقيق الكمال والحضارة الفاضلة.. وفي ظل تلك الحضارة تُخرج الأرض خيراتها وتنزل السماء قطرها ويطيب الهواء وتزدهر الطبيعة ويكتسي الكون كلّه بحلّة نورانية تضيء الأرجاء وتلف الكائنات بأسرها، حضارة يعيش الناس في ظلها إخوة متحابين ومتناغمين مع الطبيعة، يتنفسون الحقيقة ويملؤهم الحب ويكتنفهم السلام، يرقبون بزوغ الفجر والعروج إلى السماء.. إلى الحياة السرمدية الخالدة.. نحو السلام الحقيقي والسعادة الأبدية.. ينعمون بجوار ربهم في الجنة .

———————————————

(1) ديميتري أفييرينوس، الميثولوجيا العالمية، . http://maaber.50megs.com/tenth_issue/mythology_1.htm

(2) المجمع الثقافي، الموسوعة الشعريّة، مادة ” جرم”.
(3) مسلم ، الصحيح، ج1/ ص74؛ الترمذي، السنن ، ج4/ ص324.
(4) تهتم هذه المدرسة بتعريف الإنسان إلى تكوينه الباطني بهدف فهم كيانه وتوعيته إلى حقيقة وجوده، وترى أهمية تفتّح وتطوير الوعي الذاتي للإنسان لما يتفاعل في باطن كيانه من أجل رفع مستوى الوعي العام لديه بشقيه الواعي( عالم المادة والمحسوسات) واللاواعي(عالم الباطن).
(5) الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص209.
(6) جوزيف مجدلاني، المرأة والرجل في مفهوم الإيزوتيريك، ص 139.
(7) الترمذي، م. س.، ج3/ ص394؛ ابن ماجة، السنن،ج1/ ص141.
(8) الكليني، الكافي، ج5/ ص498؛ الطبرسي، م. س.، ص 213.
(9) أحمد بن حنبل، المسند، ج4/ ص17.
(10) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16/ ص272، الميرزا الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج13/ ص235.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.