لم تكن الأمّة الواحدة مختلفة قطّ ولا جاهلة بمسألة خلق آدم وكيفيّتها، قبل بزوغ التوراة (السبعينيّة) المزوّرة التي نصّبت من نفسها حكماً مُهيمناً في مثل هذه المسائل، فإنّ الكهنة السبعين الذين كتبوا التوراة قاموا بكتابتها ووفق منظورهم وفهمهم بعد أنْ ضمّنوا كتابهم كلّ الأساطير الشعبية المقتبسة من الأمم العربية التي قبلهم والتي كان يتمّ تناقلها شفوياً، وأثبتوها ليصوغوا لهم تراثاً مركزيّاً منتحلاً منفوخاً يخرجوا به من بداوتهم المفتقرة للحضارة، وصيّروا الأمر وكأنّ موسى (ع) هو الذي أتى بها، ولا نستبعد أنّه (ع) أتى ببعض أخبارها لأنّ الرسالات والنبوّات تراكميّة، والمحقّقون رأوا اليوم بأمّ أعينهم أنّها منحولة ومقتبسة ممّن قبلهم، حيث تكشّف لها وجودٌ أقدم في كتابات وألواح ورُقُم السومريّين العرب والبابليّين والسوريّين وعرب مصر والجزيرة.

إنّ نسبة هذه المقولات إلى موسى (ع)، وبالتالي إلى الله عزّ شأنه، أطفت بالقدسيّة على ما يُسمّى بالتوراة ليُوسَم بالكتاب المقدّس، الذي نُسلِّم بأنّه يتضمّن بعض ما جاء به موسى (ع)، وفيه الأساطير والمرويات الشعبية وأيضاً الخرافات، وفيه التراث العربيّ الشفوي، صيغ أحياناً بنقص فهمٍ وبأخطاء. ومع أنّ القرآن جاهد ليُسقط القداسة عمّا كتبه الأحبار وكُتّاب التوراة بقوله (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)(البقرة:79)، إلاّ أنّ الأمر مضى تاريخيّاً بخلاف الفوائد والتضمينات والتوصيات القرآنيّة، فكان أنْ عطّلتْ تلك القداسة الزائفة مسيرة الفكر في أمرٍ كان محسوماً لدى الأوائل، وعُدَّ من بدهيّاتهم، هو أمر عطّل الفكر الإسلامي برمّته في مثل هذه القضايا، بدخول كثيرٍ من أهل الكتاب في الملّة الجديدة بفهوماتهم القديمة المظنون قدسيّتها، وبثّها كحقائق واستيلائها على الفكر، ثُمّ كان تقريب الكثير من أولئك الكتابيّين من الكهنة والأحبار إبّان العصور الأولى، ودخولهم في العمليّة الروائية كمرجعيّات تاريخيّة وإسلاميّة، لحساب أجندات سياسيّة وصراعات مذهبيّة، وبعد انفتاح باب الروايات لكلّ ذي مأرب، طُمّ وادي الفكر بالكثير من الروايات التوراتيّة الذين كانوا هم أساسه ومنبعه وبُذّاره، حتّى أنّك لا تكاد تتتبّع الروايات المتعلّقة بالخلق الأوّل إلاّ وتجد كعباً ووهباً وغيرهما في السلسلة والإسناد، أو تُحال على مجاهيل، بل إنّ معظم الأخبار تُنقل بصراحة عن أهل الكتاب أي عن التوراة، أحياناً بعبارة “وجاء عن أهل الكتاب” وأحياناً بمسلّمة أنّها معروفة من أخبار الأوّلين! ويكفي أنْ نعلم أنّ أوّل من صنّف في قصص الأنبياء يُعزى لوهب بن منبّه ولمن تتبّع الأسانيد لن يعدم أنْ يجد وهباً يقف على رأسها، وأنّ أكبر القصّاصين هم كعب الأحبار ووهب وتميم الداري وهم من أهل الكتاب سابقاً.

وإنّه لمن المؤسف حقّاً، أنّ الذهن البشري، من عادته التواطؤ على صاحبه والتنصّل من مسئوليّته البحثيّة، فالإنسان يميل فكره إلى المحاكاة، وإلى التواري في ظلال الغير، فيأنس لو قال مقالته أناس سبقوه، ويرتعد لو كان سيأتي بغريبٍ أو ما سوف يُدعى “بِدعة”، إذْ “الحشرُ مع النّاس عيد” كما يقولون، فهو بطبعه يأنس للمألوف والمسموع ويستظلّ به لأنّه يُدافع من متراسٍ حصين، وينفر عن الغريب وغير المسموع لأنّ تبنّيه لا يجلب السلامة، وعليه أنْ يقيم متاريسه وحده لو صمدت للرّاجمات. فالذهن -بهذا- يدخل بصاحبه في نفق مؤامرة خفيّة لمواراة الحقيقة العزباء، لهذا حدث التواطؤ اللاّشعوريّ واللامُعلن بين أهل القرآن وأهل التوراة في كثير من القضايا، مع وجود فصال سافرٍ بين الكتابيْن وعداءٍ بين الأمّتيْن.

والوضع للآن هو هو، لذا فأيّ طرحٍ جديد سيُواجه بداهةً بعنف هذا التواطؤ الذي اكتسب فيه كلٌّ منهما قوّته من الآخر لا من نفسه، عن تشابهٍ زائف وهميٍّ في النصوص القرآنية عُولجت بتأويلها تجاه الفهم التوراتي الخُرافيّ المألوف الذي انداح على النصّ القرآنيّ بتواتر القصّاصين، فظنّ المسلمون أنّهم حقّقوا قوّة الحقيقة القرآنية كونهم أخذوا شهادة توثيقه من توراة الكهنة (وهو غير توراة موسى)، إمضاءً منهم لفهم قاصرٍ عن قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ، أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ)(الشعراء:196-197)!! والحقيقة أنّهم بهذه العطفة القاتلة إنّما أعطوا زيْف قصص التوراة وهفواته الوثاقةَ المطلوبة والصدقيّة، لا العكس، وربطوا مصير الكتاب الحكيم الذي لا يأتيه الباطل، بآخر مختلط ما أنزل الله به من سلطان، فأصلحوا بتلك الخطوة عمل المفسدين و(اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)(يونس:81).

فمع أنّ القرآن جاء بالحقيقة البيضاء النقيّة، وكلّ آياته تقول نقيض ما تزعمه التوراة أو ما تُمضيه روايات المسلمين المنحولة بشكل مباشر أو غير مباشر من استيلاء الفكر التوراتي، إلاّ أنّ الاستحكام الفكري المتسالم عليه “للسيناريو” المُتصوَّر عن بداية الخلْق، وللقداسة الزائفة الموجودة في تلك الصورة المُسبغة على آدم الأوّل، ولإهالة التقديس على آلاف المرويّات كائنةً ما كانت ولو كان نبيّ الإسلام ومن جاهد بين يديه براء منها، وللتعامل الخاطيء مع مسألة حاكمية قرآن الله وعدم فهم نظامه، ولوقوع التشابه في ألفاظه حتّى وصل بالأمر أنْ يُستدلّ بالقرآن على المزعوم التوراتي، مع أنّ القرآن يقول النقيض! كلّ ذلك وغيره قد حجب أشعة نور القرآن الواضحة أنْ تصل إلى عقل المسلم، وحجب القرآن أيضاً أنْ يصل إلى مُخاطبة العالَم، بل الذي وصل هو التوراة تحت مسمّى “الكتاب المقدّس”، فساد هذا التصوّر المتخلّف والخاطئ على العالَم كلّه.

ولولا رحمة الله وتنصّل بعض العلماء الغرببيّين وتحرّرهم من سطوات لاهوت “الكتاب المقدّس” هذا، وانبثاقهم جيولوجيا وأركيولوجياً وبحثهم آثاريا وسلالياً لاستدراك الحقيقة المقبورة، الحقيقة التي كان العرب الأوائل يعرفونها ويعيشونها ويدوّنونها، وأشبعوا بها كلّ تراثهم المقدّس لتبقى لنا معْلماً وذخراً، فقام هؤلاء العلماء المنفلتون من الأسْر الكهنوتيّ بمجهودهم العلميّ المتجرّد الجبّار تطبيقاً لما حثَّ عليه القرآن المهجور من قبْل: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(العنكبوت:20)، فتوصّلوا بجهودهم المباركة -التي انقطع المسلمون عنها- إلى كثيرٍ من الحقائق في تاريخ خلْق الإنسان.

إنّ أكبر مهزلة، بل أكبر مأساة، أنْ تمّ تعليق مصداقية ووثاقة ما يقوله القرآن وربطه بما زعمته التوراة في “خلق الإنسان”، مع أنّ القرآن أثبت (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(النمل:76)، وأنّه مهيمنٌ على الصادق من تلك الكتب فضلاً عن غيرها (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)(المائدة:48)، انقلب ظهر المجنّ ولُبِس الإسلام كالفرو مقلوباً، فصار أهل الكتاب هم الذين يقصّون على القرآن وأهله!! وصار الفكر التوراتي هو المهيمن على تفسير قضايا القرآن وآياته!!! نعم، لو تمّ ربط القرآن بالمدوّنات السومرية والبابلية والأكدية والمندائيّة والسوريّة وحضارة ملوك وادي النيل من أرض مصر، لكان أجدى، لأنّ تلك حقائق، لا مقولات ظنونيّة، ولأنّها أصيلة غير منتحلة، ولأنّها تريد تعليم الحقيقة لا ادّعائها، ولأنّها أخيراً صيغت بعلم لا بجهل واجتهاد.

إنّ أيّ باحثٍ متجرّد يستطيع بتأمّل بسيط أنْ يُثبت أنّ كتاب الله لا يرقى إليه الشكّ في أنّه جاء بالحقيقة التي لا خلاف فيها، وأنّه لا يصطدم مع حقائق العلم والمكتشفات بل يضيف عليها ما فاتهم وما لم يصلوا إليه بعد، وأنّه يُفسّر التوراة الموجودة بين أيدينا ويُصلح أخطاء مدوّنيه أو مترجميه سواءً لقصور الأوائل على أحسن تقدير أو لسوء مقاصد التالين، ذلك أنّا لا نرى التوراة بطبيعتها المنتحلة إلاّ جزءًا من تراث التاريخ العربيّ لهذه المنطقة وفيها من كلام الله وحكمه أيضاً وفيها ما يستحقّ النظر وفيها ما يستحقّ النقد وفيها ما ينبغي رميه لمنافاته الحقائق الواضحة وخدشه في صلاح أنبياء الله المقدّسين، ولو عرّج الباحث على تراثنا العربيّ الأصيل، فسيلفى تطابقاً تامّاً في الحقيقة التائهة، ولنْ يعدم أنْ يجد بعضاً من الروايات الصحيحة التي بذرها نبيّ الإسلام (ص) وأهل بيته النجباء وأصحابه الكرام المفضية إلى التصوّر الصحيح. وهناك عقبة كأداء، ستواجه القارئ لا محالة مواجهته للشيطان الرجيم، عقبةً لا في ثنايا هذا البحث نفسه، بل في عقله المقدِّس لما درج على سماعه والتربّي عليه، وليس أوّلها يقينه بأنّ تراث العرب الأوائل كلّه هو خرافات وأنّهم وثنيون ومشركون، وهذا التعميم وهْمٌ وخطأ وظُلم للآباء ولتراث الأنبياء منذ آدم الرسول (ع).

وسيواجه -القارئ- طبيعته النفسانية ثانياً، تلك العصيّة والآبية للتسليم لأيّ جديد عليها، والتي سترفض إباءً فكرة أنّها كانت مخدوعةً بتاريخها ومُستغفلةً عن كتابها الأقدس، ستنشغل أوّل ما تنشغل بالتسلّح للردّ الحادّ، والتمنّع لنقض الفكرة بدلاً من محاولة فهمها أو تلمّس الحقّ الذي فيها ورؤية هداها، وبالتمتْرس وراء ما قاله الرجال من فلان وفلان وما نُسب إلى كبار السادة زوراً أو خطأً، وبدلاً من طلب الحكمة والعلم والتعطّش لخدمة كتاب ربّها الجليل وكشف حقيقته الحقّة والتتلمذ بين يديه، سيلفى القارئ المُستفَزُّ نفسه أمام كمٍّ من المرويّات منسوبةٍ لأئمّة الإسلام المكرّمين تُوهمه بالعكس، وكلّها مدخولة على الدين ولا شأن لهم رضوان الله عليهم بها فهي إمّا منسوبة إليهم أو أُسيئ فهمها.

ولسنا بفضل الله في حاجة لنقد كمِّ تلك المرويّات الهائل ومعالجتها وبين أيدينا كتاب الله العزيز حاكماً، الذي فيه تبيانُ كلّ شيء كما أخبر أصدق القائلين سبحانه وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكفى بالمأثورات خللاً أنّها متضاربةٌ تضارب النقيض للنقيض، وحقّاً لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، وإذا كان نبيّ الله العظيم (ص) قدْ تُجرّئَ عليه وكثرت عليه الكذّابة وتواترت، فكيف بغيره ممّن دونه؟! فتنزيه ساحة أئمّة الإسلام والهدى مِن أنّهم قالوا باطلاً وهم أهلُ الله وأهل ولايته وأولو العلم، أولى من الاجتراء بالزعم أنّهم قالوها مع مخالفتها الصريحة للقرآن –كتاب الله- وللحقيقة التاريخية والعلمية، التي لن يشكّ فيها مع مستقبل الأيّام عاقلٌ.

الحقيقة الضائعة في خلق البشر:

موجز الحقيقة كما يقصّها القرآن والتراث الديني العربي القديم كلّه، أنّ أبانا الإنسان-آدم ككائن عاقل انبثق قبل عشرات الآلاف من السنين (بين 30 إلى 50 ألف سنة)، لكنّه لمْ ينشأ هكذا من تُراب أو من الفراغ، كما حشتْ التوراة ذلك في عقول المتديّنين ومنهم المسلمون، وتخلّى عن ذلك العلماء التجريبيّون والمكتشفون لانكشاف خلافه لديهم باليقين العلميّ القاطع، بل جاء الإنسان من قمّة سلالة بشريّة تطوّرت بدورها عبر مئات الآلاف من السنين. فآدم هو أوّل كائن إنساني، وهو ليس بمعصوم عن الخطأ، ومنه نسلتْ الإنسانيّة الملياريّة هذه.

أمّا كيف خُلق أوّل كائن بشريّ، فليس هناك كائنٌ بشريّ أوّل، بل مجموعة كائنات بشريّة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ)(الروم:20)، نشأتْ بتدبير القوّة الربّانيّة من طين الأرض وعناصرها، في أجواء مرّ بها كوكب الأرض من ضغط وحرارة ومغناطيسيّة وكيمياء لمْ تمرّ به ولنْ تمرّ، ثُمّ هذه الكائنات البشرية المنبثّة رجالاً ونساءً، تزاوجت، وأنجبت السلالة البشرية التي تطوّرت عبر مئات الآلاف من السنين. فلمْ يتطوّر الكائن البشري من قرد أو من كائنات وفصائل أدنى كما يقول العالم شارلز داروين أو غيره، بل بدأت الكائنات جميعها متمايزةً بأنواعها، بجيناتها الخاصّة بها، ونمتْ في حاضنات (بيوض) طينية بدلاً من الأرحام حتّى اكتملت، فخرجتْ إلى الدنيا، لتبدأ من بعدها حقبة التزاوج.

والتراث الديني في نصوصه، بغضّ النظر عن أفهام مترجميه ومؤوّليه، كان متّفقاً حول هذه النقطة بحيثيّاتها، ودليلنا على اتّساق القرآن الكريم والتراث العربيّ في مقولاتها بهذه الحقيقة يجده القارئ في المصادر التالية:

الأوّل: القرآن الكريم. الثانيّ: التوراة الموجودة. الثالث: مدوّنات التراث العربيّ القديمة.

التفصيل:

إنّ أوّل اسم أطلق على الإنسان العاقل الأوّل “آدم”؛ ولأنّ الربّ خلقه على شاكلته، فكلمة “آدم” تعني “المثيل” باللغة العربيّة بلهجاتها السريانية والفينيقية والعرباء. ولنْ تسعنا هذه المقالة تمييز المصطلح القرآني “البشر”، و”الإنسان”، ومدلولهما في اللّسان العربيّ، بناءً على أنّ القارئ العربيّ بات يعي هذا الفرق، لا سيّما وأنّ كثيراً من المفكّرين بيّنوا هذا الفارق وأشبعوا الأمر فيه، والقرآن الحكيم كلّ آياته تدعم التفريق بامتياز وبلا استثناء لمن طلب الحقيقة بلا مراء، إذْ المصطلح القرآني دقيق لا يأتي بهذا مكان هذا، “فالبشريّة” مظهر بيولوجيّ يتعلّق بالصورة الإحيائية التي نحن عليها أنّى أتتْ اللفظة واستُعملت، و”الإنسانيّة” لمكان الرّوح المنفوخة فينا، فكلّ مظاهر “الأنا العليا” أو ملكاتها من وعْيٍ وعلم ودين وأخلاق وفلسفة وحضارة هي مظهر إنساني، وكلّ مظاهر “الأنا السفلى” من حياة دنيا وغرائز وعقل سفليّ وأجهزة ذلك، هي مكوَّن بشريّ، فالبشريّة قالب، والإنسانيّة قلب (روح). فنحن جميعاً بمن فيهم الأنبياء بلحاظ وجودنا الطبيعيّ كلّنا بشر لا تمايز بيننا لا أسود ولا أبيض، لكنْ بلحاظ الإنسانية ومنها الوعي والتقوى وإدراك الغاية فالتمايز بيّن، فقد يكون الأبيض إنساناً أو الأسود أو كلاهما أو لا أحد منهما. فالمرء عليه أنْ يرتقي من بشريّته متقدّماً إلى إنسانيّته (نَذِيراً لِلْبَشَرِ، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)(المدثر:36-37)، وقد وعى الأوّلون هذا التفريق، فقال أحدُهم وهو صاحب الحكم العطائيّة (اخرج من الأكوان للمكوّن بخروجك من أوصاف بشريّتك من كلّ وصف مناقض لعبوديّتك لتكون لنداء الحقّ مجيباً ومن حضرته قريبا)، فالعبوديّة الواعية مظهر إنسانيّ حرّ، بل هي المظهر الإنسانيّ..

فبناءً على هذا، لو أخذ القارئ جولة سياحية في آيات الله الباهرة ليستكشف من معادلاته الدقيقة ما يرسمه بشأن خلق البشر ثمّ الإنسان، مدركاً بأنّ القرآن كونه كلام الإله، فإنّه يصف الحقيقة الواحدة، فحيثما تكلّم عن البشر، أو الإنسان، ومن أيّ زاوية أو جزئيّة، فالقصّة الحقيقيّة هي نفسها، كيفما سمعها، لأنّها واحدة، وواحدةٌ هي، فلا يُمكن أنْ يرد لفظٌ أو حرف يقول بخلاف هذه الوحدة، لو أخذ القارئ بذلك لما خرج إلاّ بالهدى.

القرآن قد بيَّن أنّ الملأ الأعلى اختصموا، وأن اختيار الخليفة الإنسانيّ من أولئك البشر الهمج السابقين الذين تطوّروا سلالياً عبر عشرات الآلاف من السنين، ولمْ يُثبت القرآن أيّ اختصام واحتجاجٍ لهم حين خلق البشر الذي ظلّ ردحاً يسكن الكهوف ويسفك دماء بعضه ويُفسد لا واعياً، وقد أشار إلى هذا الصنف “ويل ديورانت” في قصّة الحضارة وأثبت العلم الآثاريّ وجودهم إلى ما قبل عقدين من الزمن، بل وللآن. وقد ذكرهم “فيرجل” في كتابه “الإنياذة” حين صادفهم “قدموس” العربيّ الفينيقيّ و”كاهن طروادة” أيضاً. أولئك البشر الذين أوّل ما نبتوا ظلّوا يُحاكون الحيوانات في كلّ شيء، كما يصفهم تراثنا السومريّ في (أسطورة “أشنان” والنعجة): (البشر الأوائل لمْ يعرفوا أكل الخبز، ولم يعرفوا ارتداء الملابس بعد، وكانوا يسيرون على أيديهم وأرجلهم، ومن القنوات يشربون الماء)، وفي سورة “الإنسان” (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)(الإنسان:1)، أثبت سبحانه وجود هذا “الدّهر” الأوّل حين لمْ يكن الإنسان شيئاً مذكوراً، بل مجرّد همجيّ غير واعٍ ليس له صحيفة أعمال ولا حساب ولا حضارة ولا اتّصال لا بملائكة ولا بشياطين ولا روح، وهذا ما وصفته بدقّة أسطورة: “عندما رسم الآلهة المدينة” السومريّة قبل 4000 عام، التي بيّنت وجوداً بشرياً غير مُعبأٍ به لدى الملائكة قبل إيجاد الخليفة-الإنسان، فحين تمّت تسوية الإنسان بدخول القوى الربّانية على نظامه ومدوّناته الجينيّة (الأمشاج) ثُمّ نفخ الروح فيه، صار ذاك الكائن “سميعاً بصيراً” أيْ دخل الإنسان عالَم الوعي بتعرّفه على الخير والشرّ فوعى ذاته والعوالِم التي تُحيط به ووعى ربّه، وأُعطي هبة ربوبيّة هي الحرّية ليختبر وعيه، فيكون إمّا شاكراً وإمّا كفورا، بزغ له إذّاك سجودٌ من ملائكة، وعداوةٌ من شيطان، واكتسب منظومة القيم وابتدأ يُعلَّم الحضارة واللّغة بهذه الروح الربّانية التي هي الوديعة التي حملها الإنسان المُستحدَث من ركام البشر وسلالتهم، كما قال سبحانه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ)(المؤمنون:12).

ويُعلن القرآن في كثير من آياته أنّ هناك نشأةً للبشر من الأرض وهي “الإنبات” ثم نشأة أخرى مغايرة في بطن الأمّ: (إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)(النجم:32)، وهذه النشأة الأخرى البادئة بالنّطفة هي التي سوف يفصّل فيها سبحانه وتعالى عبر القرآن الكريم: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ (ثُمَّ) مِنْ نُطْفَةٍ (ثُمَّ) مِنْ عَلَقَةٍ (ثُمَّ) يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً)(غافر: 67)، فهنا ذكْرُ النشأتيْن الأولى الإنبات من التراب، والأخرى التي في بطون الأمهات …

فمنذ أنْ خرج الإنسان/البشر منْ بذرته الأولى ظلّ عقيماً وقد أشارت إلى هذا متون سومر وبابل، وإلى أن أخذ في التكاثر عن طريق النطفة والبويضة مرّت ملايين السنين، فالقرآن لم يفصّل عن هذه المرحلة لكنه اختزلها في عبارة نوح (ع) الذي ذكره التراث السومريّ العربيّ قبل صنع التوراة بثلاثة آلاف عام وسمّاه “زيوسدْرا” أيْ سيّد الكوخ، وسمّاه التراث البابلي العربيّ في الألفية الثالثة قبل الميلاد “أتونفشتيم” أيْ سيّد النفوس، فقال (ع) كما حكى عنه القرآن (وقدْ خلقَكُمْ أطْوارًا)، فالتراث العربيّ يعرف أنّ البشر مرّ بأطوارٍ حتّى صار إنساناً، وقد جاء في المرويّ الإسلامي الإشارة لكائنات بشريّة قبل الإنسان وظلّت متزامنة مع وجوده، بل هي للآن لها وجودٌ في باطنه دعوها “النسناس” فعن عليّ (ع) وابن عبّاس والحسن البصريّ أيضاً (ذهبَ الناسُ, وبقي النّسناس) وعقّبوا بالقول (إنْ هُمْ إلاّ كالأنْعام) فهي هذا، وفي المأثور أنّ في آخر الزمان أيضاً (يقلّ الناس ويبقى النسناس) أيْ تستولي الهمجية في دواخل الفرد على إنسانيّيته وينطمر العقْل والرّوحنة منه، وهذا للأسف هو ما نشهده يومنا، بل هو السائد.

وفي مكان آخر نقرأ (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ – فالبداية كانت من الطين – “ثُمَّ” جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)(السجدة:7-8) أيْ جاءتْ بعدها مرحلة التكاثر الزوجي، والخلايا الأولى المتولّدة على ضفاف الأنهار كانت بدايةً “خنثى” (xx-xy) أي تختزن جنس ذكر ( y x ) وأنثى( xx )، كما عبّر القرآن عنها (منْ نفْسٍ واحدة)، وتفيد الميثولوجيا الفارسية أن البشر الأوّل (هو نصفُ ذكَر ونصف أنثى) فهي البويضات/الخلايا الأولى إذاً.

وفي التراث السومري والبابلي وصفوا الكائن الحيّ الأوّل “بالمخلوق الخنثى” وهو “الكائن/القوّة الذي أبدعته قوّة المياه العذبة النقيّة (أنكي/إيا) من تحت ظفره الوسخ ليس بذكرٍ ولا أنثى” وبها انبعثتْ قوى الإخصاب في الأرض (المُعبَّر عنه ببعْث عشتار)، هذا يعني بلغتنا أنّ فعالية المياه العذبة كوّنت خلايا كلّ كائن حيّ بتدبيرٍ ربوبيّ في الطمْي الطيني الوسخ المتشكّل على شواطئ المسطّحات المائيّة (الظفر الوسخ للماء) كما قال سبحانه: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)(النور:45)، وقوله (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)(الأنبياء:30)، حتّى بلغت هذه الخلايا البدئيّة في مراحل تطوّرها التكاثر بالانقسام، ثمّ علَقتْ ونمتْ وفقستْ عن بشرٍ بالغين، نبتوا من “بيوض/قوالب الطين”، كما نبت كلّ شيء قبلهم بمئات وعشرات ملايين السنين، وفي ملحمة الخليقة البابلية قبل 4000 عام إشارةٌ إلى هذا، أنّ “إنليل” أي القوّة الربّانية المضطلعة بالإنسان قام بعد تذليل الأرض بسمائها، بخلق البشر، لكنْ كيف؟ :(فحفر -أي الربّ- شقًّا في الأرض، ووضع بدايات البشرية في الشقّ، وعندها بدأ البشر يظهر كالحشيش في الأرض)، فالحقيقة واحدة هي هي لمْ تتغيّر.

وبعد أحقاب انتقل التكاثر عن طريق النطفة الذكرية والبويضة الأنثوية بتلاقح الجنسيْن، وهو (“ثمّ” جعلَ نسْلَه مِنْ سُلالةٍ مِنْ ماءٍ مهينٍ، “ثُمَّ” سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ)(السجدة:8-9) لاحظ دلالات “ثُمّ”، وهذا النفخ ليس نفخ النفس كما تزعمه التوارة، بل نفخ الرّوح هو الذي ميّز الإنسان من سائر الذوات الحيّة ذات النفس، وقوله سبحانه في سورة المؤمنون (12-14): (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، (ثُمَّ) جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، (ثُمَّ) خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً (ثُمَّ) أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) فهذه قبل أن تكون وصْفاً لما في الرّحْم الذي سيتمخّض طفلاً، هي نفسها مراحل تكوينه الأولى ما قبل التاريخ، عدا أنّ البشر خرجوا إلى الدنيا من بذورهم كباراً بالغين كما سائر المخلوقات الأخرى، الولادة الكونية إذاً ثم الولادة التكاثرية عبر التلقيح الزوجيّ، هي ذاتها، وهذا بالذّات ما فات على مفسّري القرآن معرفتُه في سرّ تولّد الرجال والنساء من الخلايا الحيّة الأولى (النفس الواحدة) التي انقسمت إلى خلايا أنثويّة مخصَّبة، وخلايا ذكريّة مخصَّبة، ثمّ نمت في المستنقعات وانبثقت عن رجال بالغين ونساء حيث نظامُ “الربوبيّة-ربّكم”، ثمّ بعد دهور جاءتْ مرحلة التزاوج والاستيلاد من “الأرحام” بدلاً من الرحم الأوّل وهو الأرض، وهي المرحلة التي عاصرها الإنسان ذو الرّوح حيث وعي “الألوهيّة-الله”، فقال تعالى في كتابه المبين في أوّل سورة النساء حصراً (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)(النساء:1).

ومن المُدهش أنّ القرآن قد كرّر أنّ النشأة الأولى هي تماماً كالنشأة الآخرة، وكما بدَأَنا نعود، بنفس الكيفيّة، لذلك احتفظ تراثنا الدينيّ منذ القدم بطرائق دفن تعي هذه البداية، فكما نشأ البشر في قوالب الطين، وحواضن الطين، فهكذا يجب أنْ يُدفن ليُعاد تصنيعه يوم البعث إنباتاً مرّةً أخرى (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً) (نوح:17-18)، وحين رثى جلجامش صديقه إنكيدو قال: (صديقي الذي أحبّ عاد إلى الطين)، وفي الطوفان البابلي ينعى نوح (أوتونفشتيم:سيّد النفوس) (وقد عاد البشرُ إلى الطين)، إذن، فالتراث واحد.

فكيف خُلقَ الإنسان؟

إنّ التراث يؤكّد بأنّ ذلك تمّ بتدخّل قوى علويّة، وهذا هو البونُ الشاسع بين: الصدفة العمياء وبين القصد والإرادة الإلهية. فلدى السومريّين نجد حواراً بين القوى الروحانيّة المكلّفة بتخليق الإنسان، فيُخاطب “إنكي/إنجي” وهو مبدأ الحكمة والنقاء وهو المُنجي، خاطب القوّة التي فوقه “نين ماخ/ نين مو” أيْ القوّة المدبّرة (قوّة/سيّدة المخّ)، الأمّ الكبرى: “إنّ الكائن الذي نطقتِ باسمه موجودٌ”، فردّت القوّة الربّانيّة تلك عليه: (لا، اربِطْ عليه صورة الأرباب وانفخ فيه من الرّوح) وفي ترجمة أخرى (اربطي عليه صورة الآلهة، عيّني سماته، إنّه إنسان)، والنصّ واضح أنّ الكائن البشري البهائميّ موجود قبْل الإنسان وصاروا شجرةً أيْ نسلاً، هم البشر الأوّل الذين خرجوا في بدء الخلْق من بذرة فما خرج غيرهم بعدها، تماماً كما الكائنات الأخرى كلٌّ من بذرته .. ثمّ عُدِّل “ربْط” جيناته (سلسلة الـ DNA) بالتدخّل في عمليّة صفّها، بصفٍّ معدَّلٍ جديد وتركيزةٍ جديدةٍ، لتحويل نطفته إلى “مُخلَّقة”، كما أنبأ تعالى عن تلك القِوى الخلاّقة وصَفِّ الجينوم الإنسانيّ الذي أثبت العلم حديثاً أنّها مُغايرة عن إنسان النياندرتال البهائميّ “غير المُخلَّقة”: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)(الإنسان:2)، فهو هذا، وأُكملتْ مدارك الإنسان الأوّل (آدم وحوّاء) وعقله بالتأكيد على جينات العقل ليكون عقلُه فوق الغريزة لا خاضعاً لها كالبشر الهمج، ثمّ مًدّ بكينونة أخرى فوق العقل هي هبةُ الرّوح لتكون وسيلة اتّصاله بمبدئه بالخالق العليّ. ثُمّ تمّ إفراد آدم لحوّاء فقط، وحوّاء لآدم وحسب، وإسكانهما الجنّة الأرضيّة كما قال تعالى (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)(البقرة:35)، تدشيناً لشريعة الأسرة الواحدة وقدسيّتها بوجود الأب (وهي شريعة إيل/الله) لينسلا نسلاً إنسانياً غير همجيّ، ولينسخ ويُزيح عمليًّا على مستوى الكائن الإنساني الإلهيّ نظام الطبيعة الغرائزي السائد، نظام الإخصاب والإباحة والأمومة والنسل فقط (شريعة عشتار)، وهو الذي عُبّر عنه أسطوريّاً بإنقاذ (إنكي/إيا) لـ (أنانا/عشتار) بعد هبوطها إلى العالم السفلي(1)، إذْ أنّ دور “عشتار” أيْ الفكر الإخصابي والزواج العشوائي قدْ هبط وسفُل وانحطّ، وانتهى على مستوى رقيّ الإنسان وتطوّر قيَمه وسلوكه، و”نُزِع عن الشريعة القديمة صدارتها” فنقرأ في الأسطورة (لم يعدْ الشاب في الطريق يُخصب المرأة الشابّة، فليرقد إذن الرجل وحده في غرفته، ولتنمْ المرأةُ وحدها إلى جانبه)، ولهذا نرى رمزياً رفض الملك البابليّ “جلجامش” إغراء “عشتار”، أيْ رفضه لشريعة العشواء، (رُفِعتْ عنها جميع أثواب السيادة والسلطان، أيْ “أنانا” لقد صيغتْ قوانين العالَم الأسفل بعناية واكتمال، فلا تُناقشي)، ولنشهد مع إذلال “النظام القديم” تحوّلاً بعدئذٍ “للقوّة الخصبيّة والغرائزية/عشتار”، “لتلبس ثوب الطهارة” ولتخدم نظام الحكمة والأسْرة، نظام الحياة الجديدة (إيا) نظام النقاء والنجاة (أنكي) وشريعة الله (إيل)، فيبرز دورُ قيِّمة النسل (عشتار) في هذه الحقبة، كخطّابة، ونسّاجة، وكاهنة تقف مع قيم الشرف وتُعاقب منتهكها (كما في أسطورة أنانا والبستاني)، أيْ تسييد القيَم الإنسانيّة على الهمجيّة، وهذا ما أُثِر عن “إيزيس” (وهي “حيزى” أيْ البصّارة) سيّدة وادي النيل قبل الألف الرابع ق.م: (وعقدتُ بين الرجل والمرأة، وقضيتُ بأن يحبّ الأبناء آباءهم، لقد وضعتُ مع أخي “أوزوريس” حدّاً لأكل البشر).. ومع هذا التراث الباهر، نُدهش جدّاً للانحراف العتيّ عن هذا المسار المعرفيّ الثابت والموغل في القدم حين نقرأ النصّ التوراتي يقول: “وجبَلَ الربُّ الإلهُ آدم تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حيّة” (سفْر التكوين2 : 7)!

كيف جُبل آدم من تراب كما يُجبل التمثال؟! وبالتالي نُفخ فيه فصار نفسْاً حيّة؟! هذا نقيضُ ما أثبته التراثُ الصحيح عبر نوحٍ وقبله (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً) أيْ أنّه طور بعد طور مختلف، فالكائن البشري مرّ في مرحلة تطوّر وليس مرّة واحدة بأنّه جُبِل كالدّمية ثم نُفخ فيه، وعبر هود: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)، وعبر موسى (ع) نفسه الذي استرسل القرآن على لسانه (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ)(طه:55)، فأثبت أنّ المخلوق الترابيّ هو الجنس البشري لا آدم وحده، وخرجوا أوّلاً كالنبات أنفساً حيّة، لا كالتمثال الأجوف! ثمّ عبْر أعظم الأنبياء الصادق الأمين محمد (ص)! هذا، فضلاً عنْ أنّ النّفس لا يختصّ بها الإنسان وحْده، بل أنّ كل الكائنات الحيّة ذات نفس.

وقد رأينا كيف رسمَ القرآنُ الكريم صورة الخلق الأوّل (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً)(نوح:17)، هذه الآية حاسمة، الإنبات شيء والجبْل من الطين شيءٌ آخر، وكلمة الإنبات تقدح فوراً فينا صورة الخروج من البذرة، لا غير.

فمبدأ الإنسان (البشر) تكوّن في الطين الآسن لكثرة مجاورته للماء فتخلّقتْ بذرة نواته الأولى كما تكوّن غيرُها في اتّحاد خاص، وبعد أنْ فقست بدأ الأصل البشري من تلك البيضة أو البذرة، تماماً كما خرج غيرها من بذور أخرى.

فهذه الآيات فصّلت كل شيء، فالإنسان لم يُجْبَل كتمثال من الطين، كما زعم كهنةُ التوراة الذين كانوا ذوي فهمٍ بدائيّ وناقص، وأخذ بهذا للأسف خلقٌ كثيرٌ وفسّروا خلْق الإنسان الأوّل على أنه جُبل من تراب وتُرك زماناً حتى يجفّ ثم صار الشيطان يدخل من أنفه ويخرج من دبره، ويرفسه برجله! فهذه صورة مزرية جاءت عن الكهنة التوارتيين وتلقّفها البعض، واستحكام هذه الصورة على الأفهام، حدتْ بالإمام الباقر سليل النبيّ الأكرم (ص) يوماً ما أنْ ينعى امّحاقَ التراث الصحيح في مسألة خلق آدم قائلاً: (لو علم الناسُ كيف ابتدأ الخلق لما اختلف اثنان)، والحقّ أنّ إبليس حينها لم يَصِرْ بعدُ شيطاناً، بل كان في سجوده وطاعته حتى أنْ استوى آدم نُودي به ليكون خادماً في هذا المشروع الربّاني، مشروع الإنسانية، فأبى واستكبر … ولو تتبّعنا النصّ التوراتيّ نفسه لرأينا الحقيقة بازغة على خلاف ما توهّموا وأوهموا، فنقرأ: (وقال الله لتُخرج الأرض ذوات أنفس حيّة كجنسها، بهائم ودبّابات ووحوش أرض كأجناسها، وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا .. فخلق الله الإنسان على صورته .. ذكرًا وأنثى خلقهم)(سفر التكوين1: 24-28).

فنلاحظ التالي:

  • إنبات أجناس الكائنات الحيّة من الأرض، وهو صحيح، كما بيّنا سلَفاً.

  • خروج كلّ جنس كجنسه، متميّزاً بشفرته الجينيّة، وهو صحيح. والتراث بما فيه القرآن الكريم يؤكّد (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(الذاريات:49) لا أنّه خلق كلّ الأزواج من شيءٍ واحد (سوى من الماء وهو ظرف التكوين الأوّل)، فكلّ أصل وفرع وشجرة خرجت من بذرة مختلفة بتركيبة جينيّة وتكوين متميّز عن البيضة الأخرى، فأخرجت فصائل من المخلوقات لا يخرج منه إلى غيره، فالبعوضة لن تتحوّل إلى فيل، والقطّ لن يتطوّر إلى بومة، كلٌّ من شجرته، والقرد لن يتحوّل إلى إنسان، كما هي في نظرية داروين التي أدهشت الغرب، بل التراث الواحد يؤكّد: أنّ كلاًّ من هذه الشجرات لها بذرتها واستمرّت بها، فعند قدامى عرب وادي النيل يقول “إمفتاح” وتعني الفتّاح بادئ الحياة:(وخلقتُ حشودًا من الأشياء أنشأتُ أنفسَها .. كما صنعْتُ نشوءات حافِرة وجاءتْ ذرّياتُها إلى الكينونة من نشوءات ولادتها).

  • البشر آخر المخلوقات، وهذا أيضاً صحيح. والعلمُ أثبته. وبيّن القرآن أنّه سبحانه ما أشهد النّاس خلْق السماوات والأرض ولا خلْق أنفسهم، ذلك لأنّهم آخر النّشوءات.

إذن، فأين الخطأ؟ الخطأ أنّهم خلطوا بين البشر والإنسان، فالذي خُلق على صورة الربّ، ليكون ربّاً للأرض هو الإنسان، وهذا سيأتي بعد أحقاب، بعد مئات الآلاف من السنين، لا أولئك البشر الذين سبقوه دهراً فهم كما قالوا عنهم (ذكرًا وأنثى خلقهم)، أيْ مجاميع من الذكور والإناث البشر. ودليل أنّهم خلطوا، أنّهم سيتكلّمون بعد فقرة عن خلق آدم لوحده و”جبْله من التراب” كما تصوّروا وزعموا وإسكانه الجنّة، ثمّ حين التطرّق لنسل آدم في الأرض كتبوا الآتي: (هذا كتاب مواليد آدم، يوم خلق الله الإنسان، على شبه الله عمله، ذكرًا وأنثى خلقه وباركه ودعا اسمه آدم يوم خلق)(التكوين5: 1-2).

والذي يهمّنا هو تمييز القارئ بين عبارة (ذكرًا وأنثى خلقهم) الخاصّة بجموع البشر في الفقرة الأولى، مع (ذكرًا وأنثى خلقه) الخاصّة بآدم وحوّاء الإنسان في مرحلةٍ لاحقة.

ولأنّ التوراة انتحلتْ من التراث العربيّ، فقد وعتْ حقيقة وجود الجنس الهمجيّ، فتحدّثت عنه، وعن النسل الهجين، وسمّته جبّاراً أيْ عصيّاً، فنقرأ عن طوفان نوح: (وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات، أنّ أبناء الله رأوا بنات الناس أنّهن حسنات. فاتّخذوا لأنفسهم نساءً من كل ما اختاروا، فقال الربّ لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد، لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مئة وعشرين سنة. كان في الأرض (نفيليم) في تلك الأيام، وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا، هؤلاء هم منذ الدهر ذوو اسم)(تكوين 6: 1-4).

نلاحظ أنّ الجنس البشريّ الهمجيّ موجودٌ منذ الدهر، بل هم قبل آدم، وإلاّ فمن أين جاءوا إنْ لمْ يكونوا قبله؟!

ونلحظ صريحاً تزاوج الإنسان بإناث البشر الهمج، ما يولّد هجناء جبّارين عصيّين على التربية. وأنّ نفخة الرّوح هي في الإنسان حصراً، وتنتقل إلى الهجائن البشريّين أيضاً، ونلحظ الترميز بأنّ الإنسان هو “ابن للربّ” لأنّ فيه نفخة الرّوح، والفتيات الهمجيّات هنّ بنات الناس (أيْ بشر بلا روح، هُنّ غير مخلّقات إنسانياً أو على أحسن التقدير هجينات)، فيمتزج المُخلَّق بغير المُخلَّق، وينتج هجيناً إنساناً، هو “الإنسان-الحيوان” وليس “الإنسان-الإنسان” وفي المرويّ (صورتُهم صُورة الآدميّين وقلوبهم قلوب الشياطين). ونُدرك بهذا غضب الربّ على البشر-الإنسان بتفريطه في أمانة الرّوح ونقلها وإيداعها إلى البشر-الحيوانيّ بإهلاكه بالطوفان (لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد، لزيغانه هو بشر)، فعومل معاملة البشر الحيواني وسُلبَ الروح وأُغرِق، وهذا ما العالَمُ يسير إليه الآن، غافلين عن توعّد الله في قوله (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)(الأنعام:133)، فهذه الآية العجيبة ليس لها صدقيّة في الواقع العربي التاريخيّ ولا في الواقع الإنساني العالمي، إلاّ بنحوٍ واحد، هو أنّنا (الناس) جئنا من ذرّية قومٍ آخرين، ولمْ يتكرّر هذا المشهد أبداً، لقرينة “إنْ يشأ” و “ما يشاء”، ولدليل توعّد الله به، فهو استبدال الجنس الإنساني برمّته لصالح خلْقٍ جديد، كما تمّ ذلك مرّةً قبل التاريخ باستبدال الهمج بنا، فهذه الآية يُكافئ مضمونُها قوله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)(فاطر:16) و (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً)(النساء:133).

أمّا لفظة (نفيليم) والميم الأخيرة للجمع (فيما عُرف باللغة العبريّة)، فالبعض قال أنّها كلمة “كلديّة” تعني الجبابرة، والبعض قال أنّ أصلها “نبيل” مشيراً إلى خرافة ملائكة ساقطين، غير أنّه في اللهجة الكنعانية التي تُعزى إليها العبرية نجد “نفل” أي هبط/سقط، انفصل، فلماذا لا تكون هي السلالة الأدنى (الهابطة حيوانيا) والمنفصلة عن الإنسان بخصائصها؟!

وقد تساءل بعض عُلماء الغرب المهووسين بالتوراة بعد اكتشاف بشر “النياندرتال” الهمج: “ألا يُمكن أنْ يكونوا هم المُعبَّر عنهم في التوراة بـ “النفيليم”، لا سيّما وأنّ قدراتهم الجسميّة وهيكلهم أقوى من الإنسان وأشدّ بطشاً”؟!

وخلاصة القول، بيّنه سبحانه في قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)(الأنعام:2)، فالأجل المقضي والمنقضي هو الطور البشري، في الدهر المنسيّ، وقد انقضى، والأجل المسمّى هو 50 ألف سنة للحقبة الإنسانية كما أخبر القرآن في آيات أُخرى ودلّ عليه التراث، وهو القائم الآن ونحن ما زلنا جميعاً نمتري فيه نتصارع تصارعَ الهمج الذي يُفسد في الأرض ويسفك الدماء بعيداً عن الهدف الربّاني العميق من تسويتنا إنساناً مذكوراً.


  • لأسطورة هبوط (أنانا/عشتار) السومريّة والبالبليّة والآشورية إلى العالَم السفليّ معنى تكويني قديم أيضاً، يناسب فعالية مبدأ الخصب بعد تهيُّؤ كوكب الأرض، حيث نلاحظ أنّ حيوية المياه النقيّة بتشكّل الأنهار (أيا/أنكي)، هي التي بعثتْ مبدأ الخصب (عشتار) للحياة، على أنْ يكون له دورات نصف سنويّة في معظم المناطق، لذلك يتمّ التضحية بالخصب (دموزي السوري أو أدونيس) لمدةّ نصف عام.