المبادئ والمصالح أساس العلاقات السياسية

pic8

    لا تستغني أي دولة – علمانية أم دينية – من بناء علاقات متبادلة مع باقي أسرة المجتمع الدولي على أساس المبادئ والمصالح، ومهما بات هذا الأمر طبيعياً مسلّما  في العلاقات الدولية، إلا أنّ الرؤية غير واضحة ولا تامة من الوجهة الإسلامية رغم الجهود التنظيرية. فلا زالت نظرات بعض المسلمين فقهية متوجسة ترفض الانضمام للمعاهدات و المواثيق الدولية بدعوة أنها لا تحكم بشرع الله ، و تعتبر الانضمام إليها نوعاً من أنواع الموالاة للكفار. وقبل الولوج في صلب الموضوع لابدّ من توضيح مصطلحي: المبادئ والمصالح.

 

    المبادئ والمصالح: نقوم عادة بتصنيف الأشخاص إلى مبدئي و مصلحي (نفعي)، الحالة الأولى تكون سمة للشخص الذي تهمه المبادئ، بينما الحالة الأخرى لمن كانت مصالحه الذاتية أول اهتمامه.

 

    أما في عالم السياسة فإنّ المبادئ السياسية والمصالح السياسية مترابطة ولا يمكن الفصل بينها وتتغير بحسب الزمان والمكان، “فالمبادئ هي مجموعة الأهداف والقواعد والأسس التي تتحدد على أساسها السياسة”، “والمصالح هي مجموعة الأعمال لتحقيق هذه الأهداف”، وهي تمثل الممارسات التطبيقية في العلاقات السياسية بين أي دولة والدول الأخرى، سواء أكانت هذه العلاقات إيجابية: كتوطيد عرى العلاقات، والمزيد من مجالات التعاون بين الدول، وتوطيد فرص السلام، أم سلبية: كقطع العلاقات، أو تحجيم التمثيل الدبلوماسي، أو أعمال مثل التجسس، أو التدخل في الشؤون الداخلية للدولة الأخرى، وصور من الهيمنة والصراع، وما ماثلها من الأعمال التي تؤثر في إضعاف التواصل بين الدول.

 

    العلاقة بين الدين والسياسة: ما يدعو إليه السياسيون وغيرهم من العلمانيين من فصل السياسة عن الدين، إنما هو موقف احترازي لئلا يتقيد السياسي بموقف الدين، فتُحجر الحريات، ولا يكون للنظريات العلمية قبول وتصديق إلا من بعد ختم الدين، ولئلا يُنعت العلماء بأقذع النعوت متى ما خالف السائد من الفهم البشري لتفسير نصّ مقدس، كل ذلك تأثراً من موقف الكنيسة الأوروبية في القرون الوسطى، وإلا فإن جوهر الدين وحقيقته وقيمه بطبيعتها لا يمكن أن تنفصل عن السياسة.

 

    لكن الدين الذي نعنيه والمجدول بالسياسة والذي لا يمكن فصله عنها ليس منه مفردات العبادة من صلاة وصيام ونسك ولا العقيدة من إسلام أو غيره، فهذا هو بين الإنسان وخالقه، ولا دخل للسياسة فيه،  فليس المعيار في صلاحية الشخص لشغل منصب سياسي كونه مؤمناً وعادلاً وملتزماً بالتشريعات العبادية أو غير ملتزم بها، وليس المعيار للنائب البرلماني أو الوزير وغيرها من الوظائف السياسية مرجعيته الدينية وتعاطيه واحترامه لها، وإنما كفاءته العلمية والعملية لمنصبه، والتزامه بقيم الدين بغض النظر عن تصنيف دينه.

 

    السياسي مسئول عما اؤتمن عليه من وظيفة ومنصب، “إنّ الله سائل كلّ راع عما استرعاه حفظ أم ضيع”، ومسئول عن الحفاظ على قيم الدين كالعدالة، وتمتع الشعب بالحريات،  وفرص المساواة والديمقراطية (الحكم الناتج عن رضا الناس واختيارهم)، والسعي نحو السلام والأمن للمجتمعات، فهل يمكن فصل السياسة عن هذه القيم؟ فإن تجردت عنها فقد انفصلت عن الإنسانية لا عن الدين وحسب، وأضحت هي والهمجية المستبدة سواء، كما أن الدين إن انفك عن هذه المقاصد والمُثل فصار أداة بيد المستبدين يصبح بلا قيمة وبلا جدوى، وإنما مجرد قشور دون جوهر، ولا يمكن تسميته دين الله تعالى. 

 

    إن السياسة عالم يسع كل الأديان وكل المذاهب والفرق والطوائف، ويدخل الملتزم بدين وغير الملتزم، وكذلك دين الله المرتبط بالله ربّ الناس جميعاً يسع كلّ الطوائف والفرق والمذاهب، وهو ليس حزباً من الأحزاب يقوم على تعصب أعضائه ويقتات على شتم خصومه وعزلهم أو الانقلاب عليهم، وإن التصقت هذه الأحزاب بتسميات دينية؛ فإنما هي قامت على أساس جزء من الدين، ولم تأخذ بالصورة النقية الواعية للدين، وهناك أحزاب قامت على أساس مصلحة سياسية مستفيدين دعائياً من التسمية لا غير، فالدين مظلته أشمل وأوسع وأرحب، ودين الله الحقّ لا ينبذ أحداً من الناس على أساس دينه ومعتقده وتصنيف الناس له، بل العكس يحرص الدين على تحرير الناس من العصبيات، أما الأحزاب وإن ارتبطت بتسميات دينية وادّعت ملكيتها لنظرية المعرفة، وادّعت ملكيتها للرحمة الإلهية في الدنيا والآخرة، وقسّمت الناس إلى فرق وطوائف ومسميات، وتحيزت لمنظورها؛ فما النتيجة إلا أن تتضخم حينئذ مفاهيم القوة والصراع والحرب بعيداً عن شراكة أحد معها، وتنعدم حتما جسور التفاهم بين الأطراف الأخرى، فما يفعله هؤلاء ليس من دين الله، بل هو خروج عن المسار الحقيقي للدين، حتى وإن كانت نيتهم دعم نظام قام في نظرهم على أساس ديني.

= فالدين والسياسة توأمان لا حياة لأحدهما من دون الآخر.

= والدين أمانة والسياسة تحمّل الأمانة.

= والدين حرية والسياسة تطبيق لمقولة هذه الحرية.

= والدين تعاليم والسياسة تدابير.

= والدين أساس والسياسة بناء على الأساس.

 

    أمهات القيم (المبادئ) الفاعلة في العلاقات الاجتماعية والعلاقات بين الدول: القيم هي الضرورات الفطرية في حياة الإنسان بما هو إنسان، وبدونها تكون حياته همجية، وهو قادر على إدراك حسنها، وهو قادر على استخدامها لفهم الواقع والحكم على المجتمعات من حيث رقيها أو تدهورها من خلال عمق وجودها فيه أو عدمه، بغض النظر عن ربطها بالفطرة أو الإيمان بمصدرها، وكما هي معايير للتعامل على مستوى العلاقات الداخلية هي أيضا معايير قيمية للتعامل على مستوى العلاقات الخارجية.

 

  1. مبدأ السلم: “السِّلْمُ” قيمة من أمهات القيم السامية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}(البقرة-آية 208)، والسلم هي الصحة والعافية في النفس وفي العلاقة مع الآخر، وهي ضدّ الحرب والنزاع والخصام، وهي حالة البعد عن الهلاك والفناء، وهنا دعوة للإنسان أن يعيش الوفاق الاجتماعي، البعيد كلّ البعد عن حالات الصراع والخلاف سواء في العلاقات مع المجتمع الداخلي أم في علاقة الدولة بالدول الأخرى، فهو مبدأ إنساني عام، كما هي قيمة دينية، لا يشذّ أحد في إدراكها وفي تقدير الحاجة لها وما ينتج عنها من خير للمجتمعات الإنسانية.

 

    وكلمة “كافة” في الآية تعطي بعداً أوسع لحالة السلم المرادة في هذه القيمة، فهي إما أن تشمل كلّ حالات السلم كافة، أو تعني دخول كل الشرائح في السلم دون استثناء، وتعني كلّ الطوائف والمذاهب، في تعاملها وعلاقاتها وكلّ مشروعاتها السلمية، أو كلّ الدول مع الدول الأخرى، فمن يتوقف من المسلمين ويسوق المؤاخذات ويرفض العمل بهذا المبدأ لينضم في معاهدات ومشروعات سلمية بين المسلم والمسلم لا غير دون الكافر فليس مسالماً، وهو يناقض الدين الإنساني الذي يدعو للدخول في السلم كافة دون قيد الإيمان أو الكفر.

 

    أما كيفية توظيفها في عالم العلاقات الخارجية بين الدول، فإنها وظيفة سياسية تتحول من مبدأ وقيمة نظرية إلى تدابير عملية، فإنّ العلاقات بين الدول تحكمها المصالح، فقد تتضيق العلاقة أو تتسع تبعا لموقف الدولة والضغوط الداخلية والخارجية التي تحدّها، وقد تُخدش حالة السلم أو تقوى ويتحول الأصدقاء إلى أعداء، والأعداء إلى أصدقاء، فليس من أصدقاء وأعداء دائمين في عالم السياسة، ويبقى السياسي هو المسئول عن ارتفاع قيمة المبادئ في عالم السياسة أو تدهورها، وكلما أهدر رجال السياسة من قيم المبادئ؛ باتت دولهم خاوية بلا روح إنسانية لا يشعرون إليها مع زحمة التعاطي مع التنافس السياسي إلا بعد الضياع الروحي وانغماس الناس في العقد النفسية والتفكك الاجتماعي والأسري.

 

  1. مبدأ العدل: مبدأ القسط و العدل هو المغزى الحقيقي لبعث الرسل والأنبياء، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}(الحديد-آية 25)، وهو مبدأ أساسي وعام للإنسانية جمعاء، وليس لشريعة دون أخرى، ولا لقوم دون قوم {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، فإذا أُقيم العدل واستقرت حقوق الناس صلُح أمر البلاد والعباد، أما مع انتفاء العدل وإحلال الجور والظلم مكان القسط فهو إيذان بالخراب والهلاك كسُنّة ثابتة من سنن الطبيعة الإلهية قال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا}(الكهف-آية 59)، والعدل كقيمة مبدئية تُمتحن بها شيم النفوس بالتزام أسس العدل في التعامل حتى مع من انعقدت كراهيتهم لهم بسبب العداوة، فالبغض النفسي والتنازع بسبب نزاعات قبلية أو خلافات دينية أو طائفية لا يبيح لأي طرف أن يتعامل بالحيف والظلم، بل لابدّ من العدل كقيمة عليا إنسانية، وذلك مصداق قوله تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}(المائدة-آية6).

 

    وأما دور السياسة فمن خلال أدواتها تكتشف الخلل، وما وجود بنود حقوق الإنسان إلا لإقرار الحقوق المسحوقة المضيعة، مثل حقوق الطفل وحقوق المرأة وحق كلّ مستضعف، ومن جراء بروز صور الاحتلال وإعاثة مجرمي الحرب في الأرض الفساد، فبسبب هذه الجرائم وانتهاكات الحقوق برزت المنظمات الحقوقية المدنية الموازية للمنظمات التابعة للدول للمراقبة المحايدة ولمراقبة الدول فيما إذا أرادت تحوير الحقيقة وتغطية نشاطاتها وتلميع صورتها في تعاطيها مع ملفات حقوق الإنسان.

 

  1. مبدأ الوفاء بالعهود والمواثيق: الوفاء بالعهود دَيْنٌ يدان به الإنسان، وهو مسئول عنه، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولا}(الإسراء-آية34)، وهذه الآية مطلقة لم ترد في سياق تاريخي خاص، لذلك فهي تدل على قيمتها العامة غير المقيدة بأحد، حتى لا يحتج أحد من المسلمين أنّ الوفاء بالعهود لا يكون مع الكفار حسب تقسيمهم وتصورهم، إنما الوفاء مبدأ يخاطب به كلّ إنسان يحترم إنسانيته متدينا أو غير متدين، والقرآن بعد هذا الأمر المطلق، يخاطب المؤمنين: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}(المائدة-آية1)، ليكونوا بقدر المسئولية، فنكث العهود يسبب توهين الدين، وزعزعة ثقة الناس بمصداقية المؤمنين، وحتى لا يأخذهم الغرور ولا يتعالوا على الغير فيزعمون أن الله أعفاهم عن الوفاء إلا مع أمثالهم ومن هم على دينهم كما زعم بعض التوراتيين، فكانوا يجيزون عدم الوفاء للأميين بالذمام والعهود التي قطعوها معهم، وقد حكى القرآن حالهم: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(آل عمران-آية 75)، ومن الواضح أن الوفاء بالعهد لا يحتاج إلى برهان عند الإنسان. حتى مكيافيللي الذي يريد تجويز نكث العهود في عالم السياسية لا يمكنه إلا الإقرار بحسن الوفاء بهذه القيمة: يقول في كتابه “الأمير” (لا ريب في أنّ كلّ إنسان يدرك أنّ من الصفات المحمودة للأمير ، أن يكون صادقاً في وعوده وأن يعيش في شرف و نبل لا في مكر ودهاء، لكن تجارب عصرنا أثبتت أنّ الأمراء الذين قاموا بجلائل الأعمال لم يكونوا كثيري الاهتمام بعهودهم والوفاء بها, وتمكنوا بالمكر و الدهاء من الضحك على عقول الناس و إرباكها، و تغلبوا أخيراً على أقرانهم من الذين جعلوا الإخلاص والوفاء رائدهم). فهل السياسة تجيز لرجالها استخدام ما يحلوا لهم من وسائل و إن كانت قذرة, ولو داسوا بأوسخ الأقدام على خير ما راكمت البشرية من قيم و مثل عليا من أجل بقاء السلطان!؟

 

  1. مبدأ الحرية: لا أحد يرغب في العبودية، والتكريم الإلهي للإنسان قد تجلّى في إعطائه الحرية والقدرة على الاختيار، فالحرية إحدى أهم قيم الدين؛ لأن الدين نفسه لا ينبت إلا في أجواء الحرية الفكرية، وهذه الأجواء هي أساس الممارسة الواقعية للدين الحنيف، وذلك لأن البناء الأساسي للدين هو الاعتقاد، والذي لا يمكن أن يؤسس في مناخات الإكراه والتبعية، وكل تدين نشأ في هذه الأجواء فهو دين صوري لا يلبث أن ينهار أمام التحديات والعواصف الفكرية المجابهة، لهذا فقد تنوعت الآيات بين نفي الإكراه، وبين الأمر بعرض الأفكار الحقّة، ويُترك الأمر حينئذ للإنسان ومشيئته إن شاء أن يؤمن أو شاء أن يكفر، وبين استنكار حالة الإكراه على الدين في قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}(البقرة-آية 256)، وقوله: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}(الغاشية-آية 21،22)، وكذا قوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }(يونس-آية 99).

 

إنّ الدين الذي وهب للإنسان حرية العقيدة، هو أيضا يمنحه حرية التفكير وحرية القول وحرية الاستماع وحرية الاختيار والقرار، ودليل ذلك قوله تعالى: ‏{ فَبَشِّرْ عِبَادِ ‏‏الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}(الزمر-آية 17،18)، فما دامت الآية تمتدح (‏‏الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، وأنّ استماع القول لا يتهيأ إلا في أجواء حرية القول نفسه، وأنّ حرية القول قد يسبقها في العادة نقاشات ومحاورات لتتمخّض منها الآراء التي تستحقّ العرض والاستماع، وهي أجواء حرية التفكير، وحرية الاستماع وحرية الانتماء للفكرة والدفاع عنها ودعوة الناس لنقدها أو تأييدها، واتبّاع الأحسن يعنى تعدّد الآراء والأفكار ودراستها وتمحيصها والتخيّر الإرادي في تمييز أحسنها وأقربها للحق، إنّها مجموعة حريات تطلقها آية واحدة دالة على مجموعة قيم ومبدئيتها المنبثقة عن كرامة الإنسان.

 

    ففي المجال السياسي من خلال هذه القيمة “مبدأ الحرية” لا يمكن أن تحصر الدولة أهلها في معتقد معين، أو تُسند وتدعم تياراً دينيا دون آخر، فإنّ كرامة الإنسان المتأصلة في جميع بني البشر هي المبرّر الأخلاقي والفلسفي للمساواة بين بني آدم لا فرق بين أسودهم وأبيضهم ولا بين عربيّهم وأعجميهم، وبمقتضى هذا المبدأ يُطالب رجال الدولة بحلّ القصور القانوني لما يحصل من انتهاكات الكرامة الإنسانية والتجاوزات المتعلقة بالنزعة الإقصائية للأفكار والمعتقدات للأفراد والجماعات ما دامت تستظلّ بالدستور وتحترم العمل به.   

وليس لها أن تمنع نشر الأفكار بالوسائل القانونية المتاحة، وليس لها أن تعرقل نشوء الأحزاب والفلسفات الأيدلوجية طبقا لحرية العقيدة وحرية التفكير وحرية التعبير وحرية الاستماع والانتماء والتأييد ما دام يتماشى مع القوانين.

 

معادلة طبيعية بين نصوص القيم والمصلحة السياسية:

    ما سبق ذكره لا يعدو كونها أمهات المبادئ الأولية، والتي لا يختلف عليها أحد، ولا تحتاج إلى عناء جهد في اكتشافها وتوضيح ما يتفرّع عنها في عالم القيم والمصالح؛ لشدة التعايش معها أو بالأحرى التعايش القهري مع أضدادها، وليس من هدفنا أن نستقصي هذه القيم، وإنّما الأساس هو توضيح دور هذه المبادئ التي تتحدد على أساسها السياسة كأسس ثابتة من جهة، ومن جهة ثانية دورها كمادة يتعايش معها السياسي في ممارساته الإجرائية تبعاً للمصالح الآنية والمستقبلية، ومن هنا نوجّه هذين السؤالين لأهميتهما في توضيح العلاقة الجدلية بين الأهداف والمصالح. 

 

أ. هل أنّ كلّ قيمة في عالم المبادئ هي نفسها تماما في عالم التوظيف السياسي؟

    ما ذكرنا من الارتباط بين القيم وتوظيفها في عالم السياسة، لا يعني أنّ كلّ قيمة في عالم المبادئ هي نفسها في أجواء المصالح بنفس مستوى درجاتها وتمام حضورها ونفس لمعانها وبريقها، فإنّ من طبيعة العمل السياسي أن يكون مقبولاً أحياناً حتى لو أدى الأمر إلى التعارض مع الحقائق التاريخية ومع المصالح العليا آنياً، وقد حدث في صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة بين النبي (ص) وزعماء قريش؛ ومن أجل أن ينعقد الصلح, حدث أن وافق النبي (ص) على بنود هذا الصلح، إذ اشترطت قريش على النبي بنوداً ومن بينها: أن يردّ النبي من يأتيه من قريش وإن كان مسلماً، فوافق النبي (ص)، فما لبثوا أن وجدوا أبا جندل بن سهيل بن عمرو قادماً عليهم يرسف في أغلاله الحديدية ويستغيث بهم من ظلم قريش وعسفها، يريد الهجرة إلى المدينة، وألحّ المفاوض القرشي على النبيّ (ص) طالباً ردّه إلى قريش، الأمر الذي أزعج المسلمين، ولم يجد الرسول (ص) بدّاً من ردّه إلى قريش، ولكنَّ الرسول (ص) طلب من أبي جندل أن يصبر ويحتسب، وقال له: “يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإنَّ اللّه جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه وإنّا لا نغدر بهم” (1). ففي هذا المثال ترى أن أمرين قد اجتمعا فيه: فمن جهة قدّم النبي الالتزام بالقيم على مصالحه، وذلك لما كان الوفاء مضرّا ببعض المسلمين، إلا أنّ هذا الضرر المؤلم لم يحمله على نقض العهد وإن لم يوثّقه بعد، ومن جهة أخرى فإنّ الصلح نفسه كان حلاً اقتضته الظروف وعلى حساب حقّ ديني وتاريخي أصيل من أنّ حج البيت مفتوح للجميع، بل إنّ المسلمين هم الأولى به من المشركين، ولكن الظروف السياسية اقتضت جريان الاتفاق على خلاف كل هذه الحقائق والمبادئ.

     وقد نصّت كثير من القواعد الفقهية أو الأصولية على أنّ الإسلام مع ما جاء به من قيم ومبادئ ثابتة، إلا أنّه في مقام التنفيذ ومع مواجهة الظروف يتعامل مع الواقع، ليقدّم الحلول العملية تبعاً للمصلحة السياسية، ومن بين هذه القواعد: “الضرورات تبيح المحظورات، وأنّه يجوز في وقت الضيق والاضطرار ما لا يجوز في وقت السَّعَة والاختيار، وارتكاب أخفّ الضررين وأهون الشرّين، واحتمال الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وقبول الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما”(2)، ففي القواعد الفقهية مرونة تقتضيها السياسة وظروفها، وإن كان ثمة جمود ففي عدم وعي هذه النصوص والقواعد لا فيها ذاتها، نعم ولكن ليس بما يبرر الغدر والخيانة بل الصبر على فقدان مصلحة لأجل دفع مضرة أكبر أو الصبر على مضرة انتظارا للفرج.

    إلا أنّ المراقب والباحث في الواقع العربي الإسلامي يجد فجوة شاسعة بين الفكر والواقع، بين النظرية والتطبيق، بين وصف المدينة الفاضلة لما ينبغي أن يكون، وبين تحليل الواقع الاجتماعي وما يتحقّق من مصالح، لكنّ الفارق الكبير ليس دائما طبيعيا أملته المصلحة السياسية عن وعي وإرادة رجال الساسة، وإنّما السبب الأكبر لهذه المفارقة هو الخروج عن المبادئ للمصالح الذاتية لطبيعة النظام السياسي ورجال الحكم أنفسهم، فكم ينادي المسلمون بمبدأ التسامح، وكم جرى ويجري اللاتسامح والعنف الدموي والتكفير للمذاهب والطوائف، والساسة أنفسهم هم المشتغلون بهذه النار.

    وأحيانا تحدث المفارقة بسبب عجز المنهج الفقهي حين تُستل المفردات الإجرائية من واقع القواعد الكلية (القيم والمبادئ) فتبدو الغرابة والمفارقة، فهذه القواعد العامة تشرّع الحريات لعامة الشعب، وتعطي له الأمان في اختيار العقيدة، وتشرّع السلم الأهلي لكافة المواطنين، وتتبنّى أسس العدل والمساواة، وتدعو للتسامح ونبذ العنف، بينما ينبري وعّاظ السلاطين في مطالبة الحكام بالتفتيش على ضمائر الناس وتصنيفهم حسب عقائدهم، والتحشيد مع الدول وضدها بحسب هواها الديني، لا بحسب مصالح الدولة، ولا بالالتزام بالقيم الإنسانية المشتركة.

 

ب. هل مقولة أن السياسة تحكمها المصالح تعني تحكّم السياسة في قيم الدين والإنسانية؟

في حوار علمي قيّم مع عالم الاجتماع اليمني د.عادل الشرجبي يكشف عن حقيقة السؤال نفسه ويقول: “أنّ الغرب كانت فيه الكنيسة مهيمنة على الدولة وكانوا بحاجة إلى فصل حتى تستطيع الدولة أن تسيّر أمورها، أما في الدول العربية فالقضية معكوسة، فالدولة هي المسيطرة والمهيمنة على الدين عكس ما كانت في أوروبا، والذي نحتاجه هو تخليص الدين من هيمنة الدولة، والذي حصل هو أن الحكومات العربية جعلت القوى الدينية تلعب في الجانب الأخلاقي فقط وتركت الجانب السياسي، فتركت قضايا مهمة مثل العدالة والحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وفتحوا لهم مجالاً ضيقاً وهو السياسة الأخلاقية: لباسك شرعي، ثوبك طويل أو قصير، لحيتك قصيرة أو طويلة، الثوب أبيض على الطريقة الشرعية أم لا؟  وهل تتزوج  المرأة وهي صغيرة أم كبيرة، حجاب المرأة، الاختلاط، هل تسوق سيارة أم لا؟ وتركنا قضايا مهمة، نريد للدين أن لا يتدخل في الدولة، نريده أن يتدخل في السياسة، بحيث يكون هو الذي يقوّم الحاكم، يُقوّم الحاكم الظالم، فأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، والفساد اليوم مستشر في كلّ مكان، والظلم والقتل بغير حقّ، والتقطع ونهب الأموال، ونهب أموال الدولة، فالإسلام جاء لإحقاق الحقوق ولحماية الضعفاء”(3).

 

    وفي الختام لابدّ من التأكيد على أنّ الغرض من بسط هذا الموضوع ليس هو توصيف ما يحدث في عالم السياسة، لكن الأمر المهم هي التوصية بوجوب تصدّي فلاسفة الأخلاق وحرّاس القيم لكل خرق يحدث في منظومة القيم، وهو أمر يمكن الاستعانة به من خلال الدراسات الميدانية لأبحاث علماء الاجتماع والتربية، الذين ينبغي عليهم في المقام الأول أن يواكبوا ما يحدث من خرق لقيم المجتمع سواء ما كان يحصل في العلاقات الاجتماعية بين الطوائف والفرق والمذاهب، أو الذي يحصل من تردّ وانتهاكات في العلاقات السياسية بين الدول.

(1)  حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، دار الجيل، بيروت، ط4، ج1، 1996م، ص107.

(2)  http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp

(3)  مقابلة مع د. عادل الشرجبي في 16-6-2010م (بتصرف) http://www.algomhoriah.net/news_details.php?

 

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.