الوطن وعصف رياح الخير والشر

الوطن وعصف رياح الخير والشر

لقد بات من المؤكّد أنّ تغييراً مهماً سيطرأ على البنية السياسية في البحرين، وذلك بعدما أقنعت التضحيات الجسيمة والشجاعة التي قدّمها شباب البحرين البطل أغلب الأطراف الداخلية والخارجية على أنّ التغيير بات ضرورياً وأنّ وقته لم يعد يحتمل التأخير. ونحن الآن أمام أخطر مرحلة يمكن أن تجعل مستقبلنا القريب شراً محضاً أو خيراً سينازعه الشر حتما ثم سيستقر، والأمر يعود إلى حكمة القوى الاجتماعية الفاعلة في الساحة: العائلة الحاكمة ومن يرتبط بها من العوائل العربية، القوى الشعبية السنية التقليدية والدينية ومعها القوى الليبرالية الشكلية وغالبية تجار البحرين، والقوى الشعبية الشيعية التقليدية والدينية ومعها القوى الديمقراطية والوطنية وقسم مهمّ من التجار.

نعلم أنّ هذه الأجواء العاطفية أبعد ما تكون عن القدرة على سماع نداء العقل، ولكن نعلم أيضا أنه لا بدّ من الاستماع لندائه كي يجني الجميع ثمار الحركة نفعًا بأقلّ ضرر، وإلا فقد يؤول الأمر كله إلى ضرر على الجميع وبدون منفعة.

لا نريد لبلادنا أن تتأرجح بين النصر والهزيمة، فالنصر والهزيمة قاموس لا يصلح بين المواطنين الذين لا يملكون بدّاً من التعايش الطيب، فليس منتصراً من كسر أخاه، وليس مهزوماً من أنصف أخاه من نفسه، وفي المحصلة ليست المسألة في رئيس أو ملك أو حزب نخلعه فتنتهي المشكلة، فالأمر في البحرين أكثر تعقيداً من ذلك، فالحال السياسي عندنا متغلغل في صلب بنيتنا الاجتماعية، والحكم ليس ملكا وحكومة وفقط، وإنّما قسيماً اجتماعياً يمثّل عدداً مهماً من العوائل والعشائر العربية، والتي هي جزء مهمّ من البنية الاجتماعية، والموالاة قسم اجتماعي آخر مهمّ وأساسي يمثّل غالبية مذهبية معينة، والمعارضة قسم ثالث مهمّ وأساسي يستحوذ على غالبية مذهبية أخرى، وفي ظلّ مثل هذا الوضع فلا سبيل لسلامة الجميع إلا التصالح على ما فيه النصفة للجميع، فلابد من البحث عن صيغة أقرب للعدالة والحرية والحكم الرشيد الذي يحفظ كرامة الجميع، وإلا فالبديل مدمّر لا يحتمله أحد، لأنّه جنون، وتبقى المخافة في أنّ الناس قد ترتضى الجنون بدل العقل!

فممّا لا شك فيه أنّ التغيرات السياسية المقبلة ستتطلّب لكي تمضي بالوطن نحو برّ السلامة تضحيات مهمة من جميع الأطراف، وأوّل هذه الأطراف هو العائلة الحاكمة ومَن معها مِن عوائل لصيقة، الذين لا يزالون تحت تأثير بقايا العقل القبلي القديم المحمّل بفكر الفتح وحقوق المتغلّب السيادية في السلطان والثروة، وهذه الفئة بالذات عليها أن تتحلّى بالروح الوطنية وبالشيم العربية الموروثة عندها، لتعطي من نفسها النصفة للناس، فتقبل بالتنازل ذاتيا عن جوانب مهمة من امتيازاتها الخاصة، وأن تنزل من عليائها فتقبل العيش المتقارب مع شركاء شعبها، وأن تقبل التنافس الشريف بينها وبين غيرها على المناصب بحسب الكفاءة بعدما اعتادت دهرا طويلا أن تختصّها لنفسها وفقا لقواعد النسب والولاء، وهذا أمر لا شك في ثقله على النفس غير الخاشعة، والنزول إليه يتطلّب شيماً عربيةً أصيلة أو إيماناً صادقاً بقيم الدين وحقوق الإنسان، وبطبيعة الحياة العصرية الحديثة ومتطلباتها، فإنّ هذا وإن كان ثقيلا لكنه أطيب أثراً وأدوم للملْك وأحمد عاقبة وأرضى لله تعالى.

وثاني هذه الأطراف هي القوى السنية التقليدية والدينية ومن معها من التجار والليبراليين الشكليين، والعمدة فيهم هي القوى الشعبية السنية التقليدية والدينية، فلا شك أنّ الطائفة السنية بشكل عام تعيش في هذه المرحلة من تاريخ البحرين -ولأسباب متعددة- روحاً تغييرية منخفضة، فقد ضمرت فيها -على عكس حالها منذ عقود قريبة- روح الشغف بالحريات والديمقراطية والثورية الوطنية وحتى الروح العروبية الثوريّة، وهيمنت عليها الروح الدينية المذهبية في شكلها المحافظ، وهي بلا شك تعيش منذ الثمانينات روح الولاء للسلطة وتتمتع بجوانب ترتضيها من فوائد الولاء هذا متمثلة في الفرص السهلة المتعدّدة في مناصب الدولة الإشرافية والإدارية في مختلف الوزارات والإدارات وذلك لما نالته من ثقة الحكم.

إنّ من المهمّ أن نقول إنّ موقف الطائفة السنية هو قبّة الميزان في تحديد مصير البحرين مستقبلا، رغم موقفها السلبي في إحداث التغيير، فعلى ضوء موقفها سيتحدّد السلم الأهلي، لأنّها الأداة الأقوى في يد السلطة، فإذا ما تعاونت وتعاضدت مع الفئة المريدة للسلم والتغيير من العائلة الحاكمة وهي موجودة بلا شك، فإنّ تعاونها هذا سيجعل التغيير السلمي حتميًّا وراجحًا على الخيار المدمّر الآخر والمتمثّل في النزوع نحو المواجهات الأهلية المذهبية المدمّرة والذي سيجد من ينزع إليه بلا شك من بعض أطراف العائلة الحاكمة، فهذه هي طبيعة الأمور، فالسلامة الوطنية هي في عصمة الطائفة السنية وعلى موقفها سيتحدّد مستقبل البلاد.

ولكن ما هو المطلوب منها في هذه المرحلة؟ لا شك أنّ عليها أوّلا أن ترفع من سقف تطلعاتها في الحريات المدنية والسياسية، وأن تقبل بما هو أرفع مما ترتضيه الآن، فليس أقل من القبول بقيام الملكية الدستورية التي تخضع للإرادة الشعبية وتفصل السلطات الثلاث وتوزّع السلطة بين العائلة المالكة وبين الشعب وفقا للكفاءات ولموازين القوى بين مكوّنات الشعب جميعا وبما يحفظ حقّ وكرامة الجميع، وأن تخرج من قمقم فزّاعة الخوف الإيراني المذهبي المُفبرك، فالسنة في البحرين ليسوا فئة طارئة على البلاد وتاريخ التعايش بينهم وبين الشيعة موغل في القدم بل قبل أن تقوم في إيران دولة قومية أو دينية، وليجربّوا الحياة خارج هذه الوساوس التي كبّلهم بها الإعلام المُضلّل، وليعلموا أنّ محيطهم العربي الواسع أعزّ من أن يذوب في الفارسية أو المذهبية الشيعية، إنّ السنة هم بيضة الإسلام وبدونهم لا تقوم للإسلام والعروبة قائمة، والشيعة مهما تمكّنوا من قيامة فلن تكتب للإسلام وللعروبة عزّة دون أن تنهض الشعوب العربية والإسلامية السنية، هذا هو الميزان الحقّ لمكونات الأمة الإسلامية، والمفروض من السنة في البحرين أن يتعاملوا من خلال هذه الثقة، ثم إنّ عليهم أن يقبلوا بالنصفة بينهم وبين شركائهم، فالأثرة -التي كانت- تتطلّب اليوم إيثاراً لكي تزول وتعود الموازين القسط بين الجميع.

وأما القوى الشيعية التقليدية والدينية ومن معهم من القوى الوطنية والديمقراطية، فأوّل ما عليهم في الوقت الحاضر أن يتمسّكوا بالحقوق الوطنية التي ناضلوا في سبيلها، وبذلوا من أجلها ما يرفع رأس البحرينيين جميعا من مؤيدين ومعارضين، فقد رفعوا رأس هذا الوطن بمواقف الفداء التي سجّلوها في تاريخه، يتمسّكوا بها على أنّها حقوق وطن ومواطنين لا حقوق ثورة وثائرين، مَن كان منهم معارضاً ومن كان موالياً، فالثورة الشريفة ليست هي التي لا تأكل أبنائها، بل التي لا تظلم مخالفيها أيضاً، فليبتعدوا عن غرور الشعور بالنصر، فالنصر في السلم إنّما يتحقّق بتضحيات الجميع حكومة وشعباً معارضة وموالاة، فينزل هذا ويصعد هذا حتى يلتقوا عند نقطة رضوان، وكما قلنا: بين أبناء الوطن لا تصلح عبارات النصر والهزيمة، وهل انتصر من فقد أخاه؟

إنّ على هذه الفئة أن تخشى من أمرين: من ضياع حقوقها بالتسيّب في المفاوضات، ومن ضياع حقوقها بالتعصّب في المفاوضات، فالتسيّب والتعصّب آفتان تضيعان الحقوق، فقد ولّى الزمن الذي يستطيع شخصٌ أو حزب بوحده أن يحكم البلاد، والحكم الأكثر ديمومة هو ما كان ممثّلا لكافة القوى السياسية والفعاليّات والكفاءات في ديمقراطية منصفة لا تجحف بحقّ أحد، ولهذا يتطلب منهم الحفاظ على السلم الاجتماعي وعلى حقوق المكونات الأخرى القبول بتخفيض سقف مطالبهم إلى الحدّ الذي يبلغ به الآخرون أقصى سقوفهم ارتفاعا، فالرضا أعمّ نفعاً للجميع من السخط، ما لم يضيّع حقاً لا غنى عنه.

إنّ الحكمة تقتضي لمن يريد الأمان والسلامة أن ينصف الآخرين من نفسه، فالأمور التي نعلم أنّها ستتسبب في العودة للفوضى والظلم والثورة ولو بعد عشر سنين فلنرفضها اليوم جميعًا حتى لو كانت في صالحنا ظاهراً، لأنّ هذه المصلحة لن تكون إلا مؤقتة وزائفة، فلو استمع المفاوضون الغربيون للنصائح التي طرحها أحدهم وهم يملون شروط الاستسلام على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى حينما نبّههم إلى أنّ إذلال بلد كألمانيا لا بدّ وأن يتسبّب في ثورة شعبية لا يعرف مداها، لما كانت الحرب العالمية الثانية، فهل نعي الدرس ونتّعظ بغيرنا أم أنّ علينا أن نتعلّم في كلّ مرة من خلال الجروح والآلام؟ فلنجلس مخلصين ولنعطي النصفة من أنفسنا جميعاً ولنبتعد عن النظرة البهيمية للحياة التي لا ترى الدنيا إلا مالاً ومتعة، فالسلام والتعايش والأمان والرضا والمحبة جواهر ثمينة لا يثمنها إلا الإنسان، والأمر بأيدينا.

ولكن – وهذه نقطة غاية في الأهمية- علينا أن نتنبه إلى أنّه في كلّ وضع جديد فهناك خاسرون لامتيازات يعتبرونها حقاً لهم، ولن يرضوا بالخسارة، وسيقومون بطبيعة الحال بما يمكنهم من أعمال لمنع هذا التغيير، وأخطر ما ينبغي التنبيه إليه – وبصراحة شديدة – إلى أنه من المحتمل جدا أن تقوم فئة من السلطة من الرافضين للتغيير والتنازل عن الامتيازات لأجل الإصلاح العادل، بافتعال أعمال “بلطجة” بالعدوان على بيوتات وقرى فئة من الناس، بهدف تفجير الفتنة المذهبية، ولا شك أنّه يوجد من هو قادر منهم على فعل ذلك بما يتمتع به من نفوذ ومال وسلاح ودهاء، ومن وجود بعض من المتعصّبين المذهبيين السنة ومن بعض المجنّسين المهيئين والمرتزقة منزوعي الضمير.

إنّ مواجهة هذا الاحتمال الخطير والذي سبق أن حدث في العام 1923 حينما مرّت البحرين بظروف مشابهة احتاجت فيه الدولة للحدّ من الامتيازات القبلية لصالح الدولة، يتطلب وعياً من الجميع، فالواجب على الدولة أولاً أن تتنبّه لاحتمالية وقوع هذا الأمر، وبالتالي العمل على منعه قبل حدوثه، وعلى الشيعة بالذات أن يحذروا من الوقوع في الفخّ، عبر التجاوب مع العدوان بالعدوان على إخوانهم السنة المجاورين لهم أو العكس ممّن هم في غفلة عن كلّ هذا وممّن لا ناقة لهم فيه ولا جمل (كما افتعلت مخابرات السلطة المصرية تفجير كنيسة الأقباط لتفجير طوائف الوطن بها! وبالتالي تعزيز مكانتها كوجودٍ حامٍ ومطلوب!)، فلا بدّ للفئات من اليقظة والصبر على الجراح مهما كانت مؤلمة، ولعمرك فالصبر عن الردّ هنا هو في النبل أعظم من الوقوف سلماً أمام السلاح الغادر للأجهزة الأمنية، والواجب مطالبة الدولة بالقيام بمهماتها لئلا تعمّ البلاد الفوضى المدمّرة، إضافة إلى وجوب مبادرة القوى السنيّة التقليدية والدينية والوطنية إلى الكشف عن كلّ ما يشي بمثل هذه الفتنة للدولة، ومنعها، ومواجهة الدافعين إليها وإخراجهم من بين صفوف الطائفة وإعلان رفضهم ورفض دعواهم.

واحتياطا لمثل هذا الأمر ينبغي على الجميع، الشيعة قبل غيرهم، أن يعمدوا إلى التعقّل المذهبي بترك كافة مظاهر الاستفزاز المذهبية، فالمرحلة القادمة تتطلّب قدراً من التسامح الكبير، والعقلانية العالية، فلنترك رفع الشعارات المذهبية المفرّقة، ولنرفع الشعارات الجامعة، ولنعد إلى جادّة الرشد في التعاون على ما اتفقنا عليه، وإعذار بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه، فإنّما نحن وجهان لعملة واحدة، ولنعد للسيرة المحمودة لأئمة أهل البيت مع إخوانهم من الصحابة الكرام وصالح التابعين، اختلفوا في الفكر والسياسة ولم يختلفوا في حفظ الحقوق والمنزلة لبعضهم، فإنّ من المهم اليوم أن نتطهّر من أدران العصبيات المذهبية منعا من أن يستغلها الساخطون غداً، فضلا عن أنّ هذه العصبيات هي في أصلها منتنة، مرذولة في الدين القويم.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.