بيان التجديد الثقافية بمناسبة ذكرى عاشوراء 1428هـ

“لكي لا نقتل الحسين”

(لا يوم كيومك يا أبا عبد الله)
هكذا قال أخٌ لأخٍ، وسبطٌ لسبطٍ، الحسنُ للحسين -وهو يُنازع سمَّه متلافياً آلام احتضاره- مُستشرِفاً لأخيه يومَه العصيب، المُفعم بدروس التحرّر وقيَم العزّ وألوانِ التضحيات أمام قسوة خذلان الناصرين وشراسة الظالمين.

إنّ (يومَ) الحسين في الأمّة من أيّام الله المجيدة، وإنّ بإحيائه الحقيقيّ إحياءها، لأنّ بأمثاله يُعاد صياغتها بقيَم الحقّ والعدالة والإباء والعزّ، لتنهض (أمّةُ محمّد) مؤتلفةً على قضاياها المصيريّة بدل التناحر على السفاسف السفلى المُصطنعة لها، والممعنة تخديراً فيها وتقطيعاً لأوصالها.

في (أيّام الله) نتوقّف ويتوقّف الزمن لنزن قلوبنا بميزان حرارتها، إن كانت قريبةً من ظالم أو عوناً لمظلومٍ،
عاشقةً للفضائل أم تميع مع مصالحها وجهالاتها، تهفو للصالحين أم معصوفةً بأهوائها.

تزورنا ذكرى (عاشوراء) وينقسمُ بها أفرادُ أمّتنا إلى واعٍ للذكرى ومعانيها، أو غافلٍ عن مقاصدها، والواعي لها إمّا قد أدركها على الحقيقة أو أدركها على التحريف والتشويه الذي ألمّ بكلّ شيء جميلٍ في أمّتنا فأفرغه من جواهره، فإنْ كان مِن الذين أدركوها مشوهةً فهو كالسائر على غير طريق، لا تزيده كثرةُ الطقوس إلا بُعدًا، وأمّا من أدرك الذكرى على الحقيقة فإنّه لا يعدو أن يكون مؤمنًا بها أو جاحدا لها، راضيًا أو ساخطا، فالمُتمثِّل الواعي هو وحده الفائز بالقدح المعلى في ذكرى الحسين، والجاحد الواعي شريكُ الكوفيّين والأمويّين في جريمة كربلاء.

إنّ من أخطر المعاني في (الدين) الشراكة في الأجر أو الوزر بالاشتراك في الرضا بالعمل أو السخط عليه، والذي عبّر عنه الإرشادُ النبوي بالقول: (من أحبّ عمل قوم أشرك في عملهم)، وأعظم ما يكون هذا المفهوم خطرًا على فئة الواعين أو المثقفين، دون الغافلين من الناس، ذلك أنّك إذا وعيت موقف الملائكة وموقف إبليس، ثم أحببتَ درب أحدهما كتبت شريكًا لمن أحببت في عمله، فكنت ساجدًا مع الملائكة أو مستكبرًا مع إبليس، وكنت ناجيًا مع نوح أو غارقًا مع مُفسديّ قومه، مُهاجراً مع إبراهيم إلى ربِّه أو طاغيًا مع نمرود، نصيرًا للمستضعفين مع موسى أو من العالين مع فرعون، في الإصلاحيين مع عيسى أو ممالئاً للمحرّفين وقتَلة الأنبياء، في الدُعاة بالقيم، العالميّين رحمةً مع محمد (ص) أو في الأنانيّين المُتاجرين بالدين على خُطى سادة قريش.

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يتعداه إلى كل موقف في الحياة، فمن قرأ (كونفوشيوس) و(بوذا) وغيرهما فأحبّ إنسانيتهم وحكمتهم أشركه الله فيها، ومن قرأ (غاندي) فأحبّ زهادته وإخلاصه ناله من عمله، ومن أحبّ (هتلر) في عنصريّته وإباداته كُتِب من محبّي مهلكي الحرث والنسل، ومن أحبّ السفّاحين كان حفّارًا لمقابرهم الجماعية، وهكذا فصحائف الواعين مثقلةٌ بالأجر أو الوزر، حتى كأنّهم قد عاشوا كلَّ دهر وعاصروا كلَّ أحداثِ عصر، فليس مَن علم كمن لم يعلم، فلا تستنكر إنْ وجدتَ في صحائف أعمالك غدًا أنّك كنتَ من أتباع فرعون مع أنّك
وُجِدتَ بعده بثلاثة آلاف عام! فمعيارُ الصحائفِ الأعمالُ، ولا يهمّ بعدها ما دينُك وما مذهبُك أو نسَبُك، فمن أحبّ البرّ والخير والفضائل، مَن أحبَّ عمل الحسين والمُحسنين ناله منه عطرُه، ومنْ أحبَّ عمل يزيد ناله منه نتنُه، وإنّ من صِدق التديّن وصحّة الفطرة والعقل أن نحبّ عمل المصلحين وإن خالفونا مذهبنا، وإنّ من الزكاة أنْ نبغضَ عمل المفسدين وإن كانوا على مذهبنا وقوميّتنا، وإنّه لتعصّبٌ بغيضٌ أن نحبّ مجرماً أو طاغيةً لمجرّد أنّه من قومنا أو ادّعى زوراً أنّه على مذهبنا، أو لأنّه قد أُزيح على يد مَن نكره!

فإن وعيتَ الحسين وعرفتَ جوهر قيامته فلك من القرب منه بمقدار فعلِك، ولك من البعد عنه بمقدار جحودِك، أو تجاهُلِك وتضليلك، فمن كان واعيًا إلى أن قيامته (ع) كانت لطلب الإصلاح في أمّة جدّه المصطفى، وأنّها كافةً للمسلمين بل للإنسانية جمعاء، يريد أن يأمر بالمعروف مَن تسلّط على الناس بغير بيعة مختارة منهم، فصادر اختيارهم الذي جعله الله لهم، مستعينًا بعصابةٍ من الأشرار والمستنفعين ومستغفلاً لجماعات من المسلمين، فقد عرف من الحسين جهاده ونصيحته للأمّة كلّ الأمة، وأمّا من كان يظن أنّ الحسين صكّ غفران، أو يافطة افتخار، أو إمام فئة أو طائفة أو مذهب ومأتم، حاشِراً إيّاه (ع) في سواد أحوال المسلمين الكالحة، فله سوادُه وكلوحه، وللحسين ضياؤه وبريقه.

الحسين حركةُ إصلاحٍ في الأمة وفي القلوب، ظلمَه من “مَذهَبَه”، وقزّمَه من “طيَّفه”، وقبّحه من استغلّه، وأكل لحمه من استأكل به وشوّهَ رايته وغايتَه، وأهانه من امتهنه، وردّ على جدِّه (ص) منْ جحدَ واجبَ مودته فأعذر قاتليه ولو بمقدار ما يبل صوفة.

فالسلام عليك يا أبا عبد الله، أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وأطعت الله حتى أتاك اليقين، فلعن الله أمّةً قتلتك (بأيّ طريقةٍ كانت)، ولعن الله أمّة ظلمتك، ولعن الله أمّة سمعتْ بذلك فرضيتْ به.

جمعية التجديد الثقافية – مملكة البحرين

20 يناير 2007