متى يكون القانون حاميا للمجتمع؟

منذ أن وضع القانون على يد رجاله ابتداء من الأنبياء وانتهاء برجال الفقه والقانون الحديث، وغرضهم الأول والأخير هو حماية المجتمع من الفوضى، عن طريق تنظيم العلاقات بين أفراده ومؤسساته، بما يحفظ لكل طرف حقه ويحمي كلّ طرف من الاعتداء عليه، ولهذا الغرض اعتبروا أنّ وجوب خضوع الجميع تحت مظلته أمرا مفروغا منه، واعتبروا كلّ خروج عن تساوي الناس أمامه ضربا من الفساد. ولكن متى ينجح القانون في تحقيق هذا الهدف؟ أم أنّ كلّ قانون تتوفّر له السلطة التي تفرضه فهو كافٍ لتحقيق التماسك الاجتماعي؟

ليكون القانون فاعلا في حماية المجتمع فإنه لابد وأن يكون صورة حقيقية عن ذلك المجتمع، وإلا فإنّه لن يكون إلا أداة استبداد يتحيّن بها الناس الفرص، يخالفونها بمجرد غياب الرقيب وأمن العقوبة، ومع أنّ القانون إنّما جعل لمعاقبة المخالفين الخارجين عليه ولكن قوة إلزامه الحقيقية لا تكمن في وجود السلطة بل في وجود الاحترام العام من المجتمع لهذه القوانين، بحيث يعدّ في عرفهم أنّ الخارج عنها قد ارتكب فعلا قبيحا يستحقّ العقوبة، وأنّهم إنّما يتركون عقابه للجهات المخوّلة حفظا للنظام، ولولاها لقاموا هم أنفسهم كمجتمع بمعاقبته، هذه القاعدة الاجتماعية هي المبرّر الشرعي للقوانين وليس وجود السلطة المهيمنة، وهي أكثر فاعلية في إلزام الناس بالقوانين من السلطة، وأقدر على الرقابة، لا بل إنّ ضمير المخالف للقانون نفسه يؤنّبه من الداخل لأنّه قد تربّى على نفس القيم التي يحترمها القانون، فهو وإن خالفها إلا أنه يعتقد أنّ احترامها فعلاً حسناً قد خالفه هو لأمر يتعلق به لا بها.

ولهذا فإنّ المجتمعات تحترم أعرافها وقوانينها الشعبيّة والدينية أكثر من احترامها لقوانين المستعمرين وإن هيمنوا على البلاد، وأكثر من احترامها لقوانين الدول المستبدة وإن حكمت البلاد بأجهزتها الأمنية المختلفة، فقوانين الدولة المستبدّة والمستعمر وأمثالهم من القوى المهيمنة غير النابعة من قواعد المجتمع ولا تمثّل حقيقة انتمائه لا تطاع إلا مادامت الدولة عليها قائمة، وأيما فرد تمكّن من مخالفتها دون أن يلحق به ضرر فإنّ ضميره لا يؤنّبه على المخالفة، على عكس القوانين النابعة من حقيقة المجتمع وثقافته.

من هنا يتبين لنا مدى الخطأ الذي تقع فيه بعض الدول، حينما تتكلم الدولة بلسانين، لسان في الدستور يعطى الحريات ويؤمن بالمشاركة والعدالة والمساواة وغيرها من قيم المجتمع المرغوبة والتي تمثل حقيقة مشاعر المواطنين، ثم يسلبها بالقوانين التي تحدّد حرية التجمع وتقيّد حرية التعبير وتخنق عمل الأحزاب والجمعيات والصحافة، وتقلّص نصيب الناس من قوة التأثير والمشاركة، وتقنّن للتمييز والتباين في حق استغلال الثروة، فمثل هذه الأمور لن تكون قانونية لمجرد أنها سنت بقانون، فسن القوانين أمر هيّن وممكن في ظلّ التفرد بالسلطة، ولكنّ المهم هو هل أنّ هذه القوانين قادرة على المساهمة في حماية المجتمع؟ أم أنّها أداة من أدوات هدمه؟

المستعمر والمحتل لا يعاني من فقدان مصداقية إذا سنّ قوانيناً من خارج حقيقة المجتمع، فهو لم يأت إلا لاستغلال البلاد وإذلال العباد، ولكن مصداقية الدولة تكون مهدّدة فيما لو حكمت شعبها بقوانين لا تمثّل حقيقة المجتمع وقناعاته وآماله وتطلعاته، حيث تكون القوانين في واد وقناعات الناس وإيمانهم وآمالهم في واد آخر، ساعتها فإنّ البلاد تسير نحو الفوضى، وقد تتجلى في صورة مظاهر غير مفهومة من تمرّد الشباب وعبثهم واستهتارهم، لا لأجل هدف مفهوم، اللهم إلا مجرّد التعبير عن عدم الرضا بالوضع كلّه والسخط والتذمر منه، أو بالشعور العام بالإحباط من كلّ شيء له علاقة بالوطن كالفريق الوطني والنشيد الوطني، أو كثرة التسخّط والتبرّم من كلّ شيء من تعليم وعلاج وراتب وتقاعد وشارع، والإكثار من ذكر السيئات دون الحسنات، وعدم الثقة في فاعلية الانتخابات، والميل للعبث بكل ما هو ملكية عامة، فكأنّما المجتمع يمارس عملية جلد للذات انتقاما مما لا يستطيع تغييره أو التعبير عن السخط عليه، وليس ذلك لكراهة عنده لبلاده، وإنما تعبير طفولي لإبداء الشكاية، وهي مؤشرات على أنّ المجتمع ليس في حالة سوية.

إنّ أخطر ما يمكن أن تسبّبه القوانين المفروضة على المجتمع من خارج حقيقته هو حالة الإحباط العام تلك التي ذكرنا، وأخطر منها أن تنقلب تلك الحالة إلى حالة من الفوضى العبثية والانقسام الفئوي، فيفقد المجتمع حقيقة مسماه ويتحول من مجتمع إلى مجرد تجمّع بين جماعات بشرية تتواصل فيما بينها وفقا لمصالح فئوية.

أغلب البلاد العربية قبل قيام الدولة الحديثة لم تكن مجتمعا واحدا، بل كانت تجمعات كلّ فئة منها تمثّل مجتمعا بحاله يشترك أفراده في ذات الهموم والآمال، ويجمعهم شعور بالوحدة والائتلاف، وهم قادرون عن التعبير عن آرائهم وإشباع حاجاتهم العاطفية بالخصوص، وكانت الهوية تنسب لمناطق بعينها دون حضور لمسمى الدولة، فالحجازي والعسيري واليماني والعدني والحساوي والبحراني.. هويات جزئية تمثّل حقيقة الشعور بالانتماء الوطني الصغير، ثم لمّا قامت الدولة على المنهج الحديث سارت البلاد تدريجيا نحو التكوّن مجتمعا واحدا بدلا عن وضعها السابق في كونها تجمعات بشرية مترابطة بالمكان والمصالح.

في ظل الدولة، سادت الوحدة في النظام والتعليم والعمل والعلاج والترابط عبر خدمات موحّدة من طرق وأسواق واتصالات وغير ذلك بفضل المفهوم الحديث للدولة، وكان لكلّ ذلك الأثر الطيّب في السير بالبلاد نحو التكّون مجتمعا واحدا يتشارك في الهموم والآمال والتطلعات بعيدا عن أولوية الانتماءات الفئوية من مذهب أو أصل.

ولكن البلاد العربية بدأت تشهد تراجعا مخيفا في العودة نحو الحالة السابقة بل وأسوأ منها، حيث لم يكن السلم الأهلي مهددا بينما بات كذلك اليوم، وبات من النادر أن نرى اختلاطا عفويا بين المواطنين المختلفين في المذهب أو الأعراق فلكلّ فئة مكانها ومجالسها وهمومها وآمالها، التي قد تكون متعارضة مع هموم وآمال الفئة الأخرى، كل ذلك بسبب عوامل داخلية وخارجية، وكان للحكومات فيها أثر غير قليل.

لا تزال هناك فرصة متاحة للعودة إلى الوضع الأفضل في تكونهم مجتمعاً واحداً بدلاً من ردتهم نحو التجمعات، فالمساواة في الفرص في الوظائف والثروة، والعودة للقوانين النابعة من ضمير المجتمع المحققة لتطلعاته وآماله، وإزالة المهدّدات كالتمييز الطائفي في الوظائف، والتمييز القبلي في الثروات والمناصب الحساسة، وفوضي تضخّم الأيدي العاملة الأجنبية، كلها عوامل ستسهم أكيداً في العودة لمواصلة الآثار الإيجابية للتوحّد مجتمعا تحت إدارة دولة حديثة.