ونحن نكتب هذه الصفحات يكون قد مرّ على مؤتمر لندن الاستعماري مائة عام( أنعقد عام 1905 وأنفض في 1907). أوشكت وقائع هذا المؤتمر أن تُمسح من الذاكرة العربية، في هذا المؤتمر رسُمت خارطة المنطقة كما أرادتها الدول الاستعمارية، خوفا وهلعاً من نهضتها، وكل ما جرى لاحقاً من سايكس ـ بيكو إلى وعد بلفور إلى تقسيم فلسطين، وإلى يومنا هذا يدين لهذا المؤتمر ونتائجه.

الأمّة تعيش في الذكرى المئوية لهذا المؤتمر حالة من التخبط والإحباط الذي بلغ مبلغا لم يحدثنا التاريخ عنه من قبل، في أي حقبة من تاريخها المدّون، ويمكن لأي متتّبع أن يسمع صدى هذا الإحباط في كل محفل. الأمّة تأنّ تحت وطأة الضربات التي تلقتها ولا زالت من أطراف عدة واحدة تلو الأخرى، نتج عنها تعطيل العقل العربي وبالتالي تعطيلاً لنهضتها وقيامها وتوقف مسيرتها. العربي والمسلم الذي قرأ في كتاب الله عندما خاطبه مذكرا بماضي هذه الأمة المُعلِمة التي علمت البشرية منذ آدم الأول قائلا: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) ، والذي قرأ تاريخ أمته المجيد المعاصر للنبي محمد (ص) وعرف ماضيها الناصع عندما أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجا، وقرأ صوراً أخرى أبان ما عرف بالعصر الذهبي أو عصر النهوض العلمي، ذلك العصر الذي وضع حجر الأساس لما عُرف لاحقا بالنهضة الأوروبية، يقع في حيرة من أمره، فهو من جهة يعلم أن هذا الواقع المرير الذي تعيشه الأمة يعود في جزء منه للتخاذل والتقصير والبعد عن تلك القيّم السامية التي رفعت العروبة عاليا أبان البعثة المحمدية، إلاّ أن هذا وعلى رغم فداحته أمر، والصورة المزيفة عن الأمة والتي دُست في جميع المنافذ التعليمية في الغرب وتداعياتها أمر آخر.

رسم الصورة

الإنسان (سواء كان تلميذا في مدرسة أم رجلا بالغا عاقلا) في عصرنا الحاضر عندما يريد أن يتعلم أمرًا ما، فهو يصله عبر نافذة معلوماتية ما، فهو إما أن يأخذه من أستاذ أو من مُربي ( والد أو كاهن أو رجل دين ) أو زعيم أو من كتاب أو من صحيفة أو من خبر يصله عبر أيّة وسيلة نشر، ونوافذ التعليم هذه لا تختلف من بلد لآخر ولا من ثقافة لأخرى، وكاتب أو ناقل هذه المعلومة سواء كان مؤرخاً أو من أي اختصاص آخر، هو المصدر لهذه المعلومة التاريخية أو العلمية. هذه المعلومات التي ترد عبر هذه النوافذ المتعددة تشكل ثقافة الفرد وبالتالي ثقافة المجتمع، وتخلق صور في ذهن المتعلم.

نرى هنا صورة قد تكونت في ذهنية الإنسان الغربي عن العرب والمسلمين، هذه الصورة تشكلت إمّا عبر أحد هذه النوافذ المشار إليها أو عبرها جميعا، وهي:

“إن الغرب المسيحي، قد فُرضت عليه مواجهة تستهدف حضارته المتقدمة من الشعوب العربية المتخلفة التي تقطن منطقة الشرق الأوسط، وان هذه ألأمة ناكرة للجميل، إذ لولا نهضة الغرب الصناعية لما عرف إنسانها وسيلة للتنقل إلا الجمال. وإن هذه الأمة (العربية) غير المتحضرة تكره الغرب بلا سبب غير الغيرة مما أنعم الله عليها به من نهضة وتقدم وجنس متفوق، بربرية متخلفة تصدّر الإرهاب، لها تاريخ حافل من البداوة والجهل مدون باختصار في روايات ألف ليلة وليلة. الغرب يدين بالكتاب المقدس والذي يدعو إلى المحبة والسلام وهم يدينون بكتاب يدعو في جلّه إلى العنف ضد أتباع الديانات الأخرى، ويَعِدُ رجالهم بسبعين حورية في جنات الخلد مقابل رأس كل كافر من أتباع هذه الديانات. أمة وجدت صدفة في منطقة حضارات الشرق العظيمة تنازع الأمة العبرية في إرث الأجداد. هي أمة لا تريد السلام، وهي تحاصر دولة ديمقراطية صغيرة( إسرائيل) والتي تؤمن بكتاب سماوي (التوراة) وتنشد السلام، تعيش هذه الدولة في وسط بحر عدائي متلاطم. الغرب إنما يؤدي دوراً إنسانيا أخلاقيا في دعم هذا الكيان، دورا إلهيّاً يحقق مشيئة الرب بتثبيت أركان دولة شعب الله المختار، هذا الشعب المنتمي لأسمى عرق، والموعود بهذه الأرض من قبل الرب. أضحت مناهج التعليم العربية هي المادة التي تغذي ثقافة الكراهية التي تهيمن على العقل العربي ينبغي للغرب أن يعمل بلا كلل من أجل تغييرها لانتزاع الكراهية والبغض من قلوبهم”.

هذه هي الصورة في الغرب اليوم عن الأمة ـ باستثناء حالات نادرة لدى بعض الشرائح ـ وهي الصورة التي تنتشر بأشكال مختلفة، أحيانا تُبَث مرّمزة، وفي الكثير من الأحيان لا يُبدي من يصرح بها أي حرج، هي صورة قد تعمقت في ثقافة الغربي وترسخت، هي صورة تُبَث لتلميذ المدرسة وللكبير والصغير عبر هذه النافذة أو تلك، أو عبرها جميعا، وبغض النظر عما يصرح به قادتهم بين الحين والآخر من أنهم إنما يطمحون إلى علاقات متميزة مع هذه الدولة العربية أو تلك، فالصورة هي نفسها عن أي عربي سواء كان من عرب آسيا أو عرب أفريقيا.

أخذت هذه الصورة تتدفق للوعي عبر المنافذ المختلفة، ولم توفر منفذاً حتى ولو كان مصنع أجيال المستقبل. المدارس الابتدائية كانت أحد محطات هذه الحملة والشحن العاطفي تجاه شعبنا العربي والمسلم، ولعل ما ذكره الكاتب الأمريكي بول فندلي في كتابه “من يجرؤ على الكلام” يوضح مقصدنا في هذا الصدد إذ قال “فقد كانت معلمة مدرسة الأحد المسيحية تقول لنا أن شعبا أمياً بدائيا وميالا إلى العنف يعيش في مناطق صحراوية ويعبد إلهًا غريبًا. كانت تسميهم “محمديين” وتواظب على تكرار قولها أنهم ليسوا مثلنا”

إن الشحن الدائم من وسائل الإعلام الغربية وغيرها من المنافذ التعليمية لم يكتفِ بتشويه تلك الصورة وخلق الحاجز النفسي بين الشعوب الغربية والشعب العربي، بل أخذ يؤسس لعدوان جديد، فنرى نماذج جديدة أخذت طريقها من خلال المنافذ التعليمية تهيئ الشعوب الغربية لعدوان عربي موهوم أو خطر داهم يهدد الحضارة الغربية ينبغي استباقه والقضاء عليه في مهده، ويقول د.جعفر عبد السلام ـ الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية ـ : ” وصل الأمر إلى حد أن بعض المفكرين في الغرب يرون أن الصراع بين الإسلام والغرب هو في الأساس (صراع حضاري) بسبب تعاليم الكتاب والسُنَّة لدى المسلمين، فالإسلام كما يصوره هؤلاء المستشرقون، يفرض على أتباعه جهاد غير المسلمين، ورفع السيف لقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله”، وبذلك طرح العديدُ من المستشرقين والمفكرين الغربيين تنظيرًا غير صادق عن الإسلام من ذلك كتاب (الأصولية الإسلامية)، الذي حصل مؤلفه برنارد لويس على جائزة مهمة في الدراسات الاجتماعية. في هذا الكتاب يَزعم المؤلف، من بين ما يزعم، أن المسلمين يمثلون تهديدًا ثلاثيًا للحضارة الغربية: سياسيًا وحضاريًا وسُكانيًا. وأن هناك نزاعًا وشيكًا سيقوم بين الغرب والمسلمين, وأن معظم العالم المسلم تسيطر عليه الآن حالة كراهية عامة للغرب، ولأمريكا على وجه الخصوص”.

والغالبية الساحقة من الشعب الأمريكي لم تخالط أي مسلم ولم تقرأ أي كتاب عن الإسلام ولم تتح لها الفرصة للإطلاع على القرآن من منابعه المحمدية، إلا أن هناك كتبٌ كثيرة تملئ المكتبات العامة لا تخرج عن كونها كتب تضليل، لا تعرض حقيقة الإسلام وعظمة القرآن، بل تتصيد الروايات الإسرائيلية التي تملئ كتبنا لتوظيفها توظيفاً مغرضا إمعاناً في تضليل الشعوب الغربية، بل واستغلال تلك الكتب المضللة التي تم التسويق لها في الغرب بكل شراسة للحطّ من سمعة الدين العالمي الخاتم ونبي الرحمة (ص)، ككتاب “آيات شيطانية” الذي ألفّه أحد المبهورين بالحضارة الغربية، ارتضى لنفسه خدمة الحركة الصهيونية في حملتها لتزوير التاريخ العربي ومسخ صورة الحضارة العالمية الأولى، مهد الإنسان الأول.

إن الأمر التي يجب أن يدفعنا للتدقيق وتمحيص التاريخ، هو أن هذه الصورة التي تبلورت في ذهنية الغرب، والتي رُسمت وفق مخططٍ محكم، وهي التي تختزن وعي الناخب الغربي، قد أوقعت ولا زالت أشد الأذى بأمتنا، سُفكت دماء ولا زالت تسفك في كل يوم، سجن العقل العربي ولا يزال في سجنه إلى إشعار آخر، تحليل تداعياتها والأثر الموجي الذي تركته ولا زالت، بحاجة لمجلدات وخبراء من كل اختصاص، بل أخذت هذه الصورة تتسرب لشريحة أخرى من الجيل العربي الجديد وبمخططٍ محكم أيضا، وهي الشريحة الخاضعة قسرا لهيمنة الإعلام المقروء والمرئي والمسموع، تعيش إشكالية يصعب عليها تفسيرها، وهي أن هذا الوصف الغربي وتابعه اليهودي لأزمتِهم مع العرب يبدو منطقيا في بعض مفاصله، فهو ـ أي الجيل العربي الجديد ـ يرى مصاديق كثيرة لهذا الوصف الغربي واليهودي للحالة العربية، ليست بعض مقالات كتّابنا العرب ومؤرخينا والتفاسير التي دخلتها الإسرائيليات إلاّ بعض مظاهرها.

إن المعضلة التاريخية تكمن في أن هناك عملية تزوير وتحريفٍ ضخمة قد تعّرض لها التاريخ العربي من قِبل الغرب واليهود والحركة الصهيونية، قد هيمنت على المخرجات الثقافية في الغرب، رافق هذا التزوير ابتداع نظريات عرقية لا تستند إلى أية أسس علمية وتُظهِر الغرب الأوروبي على أنه جنس متفوق، وقد استشرى هذا التزوير وهذه النظريات كالسرطان في الأدبيات والمناهج التعليمية في الغرب. أطبقت هذه الثقافة على الوعي في الغرب وأسست لِمسَلَّمات لدى الشعوب الغربية عن العرب، ثم انتقلت هذه المخرجات إلى مناهجنا وكتبنا على أيدي الكثير من الكتَّاب العرب، الذين أخذوا ينقلون كل ما يكتب في الغرب من غير تمحيص وغربلة. هذا التزوير وهذا التقسيم العرقي قد ساهم وبجدارة في التأسيس لكل المظالم التي وقعت على الأمة ولا زالت حتى يومنا هذا.

تم تقطيع أوصال التاريخ العربي وتجزئته لقطع حبل التواصل مابين الماضي والحاضر، الأمر الذي عملت له الدول الاستعمارية ولا زالت، يُراد به اغتيال الذاكرة العربية وسلب أحد أهم المكونات الحضارية لامتنا، وتغييب الحقيقة التي شاءت الأيدي التي امتدت لتاريخنا أن تعبث بها، ولنُجبَر نحن وأجيالنا القادمة على العيش بلا تاريخ في زمن عولمة الرعب. كانت مدونات التوراة المحرفة وأسفارها هي الأداة الرئيسية التي استخدمت لهذا العمل المُشين.

الدور الصهيوني

المعضلة التي نتحدث عنها ليست وليدة التفاعل بين الطرفين العربي والغربي فقط، بل هي علاقة متشابكة قد دخل اليهود فيها كعنصر وظيفي فاعل ومؤثر، رسم هو الآخر صورة عن العربي أكثر حلكة وسواد، والصهيونية العالمية كموجه لدفة هذه العلاقة في الكثير من المفاصل، ولكي نكون أكثر دقة، نقول أننا في هذا الصراع نواجه محورًا ثلاثيًا (غربي ـ صهيوني ـ يهودي). عملت الحركة الصهيونية على ترسيخ هذه الصورة المشوهة عن أمتنا أينما حلت، وحيث أنها باتت مسيطرة على الغالبية الساحقة من المنافذ التعليمية في الغرب بالتحديد، فأضحت الصورة التي رسمتها الحركة الصهيونية هي التي تهيمن على الوعي في الغرب.

واقع الأمة

لا نريد من الحديث عن الصورة وأثارها التهرب من مواجهة أنفسنا والاعتراف بتقصيرنا ودورنا في ما وصلت إليه الأمة من وهن وضعف، ولا التهرب من دراسة الواقع الذي نعيشه، والذي يُعد أحد الأركان الرئيسية التي تغذي هذه الصورة المرسومة لنا في الغرب، فالإصلاح ولكي يكون شاملاً، لابدَّ وأن يتخذ مساراً مزدوجاً. إصلاح الصورة لدى الآخر والتي تتمثل بفضح التزوير والتحريف الذي تعرض له تاريخ الأمة وتداعياته على عقائد وثقافة الإنسان العربي والمسلم، وعلى أن تسير بشكل متزامن مع إصلاح الواقع (واقع الأمّة)، وقد قام الكثير من الباحثين العرب باستعراض هذا الأخير، وسوف نتطرق لجانب منه في الفصل الأخير من بحثنا الموسع، ونركز عليه في بحوثنا القادمة بإذن الله تعالى.

إن جاز لنا أن نتفهم ما فعله غالبية الكتاب الغربيين والذين انسلخوا لا عن شريعة عيسى (ع) فحسب، بل عن كل القيم الأخلاقية التي مابرحوا يهتفون بها (في مواجهة الهجمة البربرية العربية) عندما قاموا بتنفيذ هذا المخطط الآثم بدافع من المصالح المادية الدنيوية. إلا أن الأمر المؤلم والصادم والذي يتعذر علينا فهمه هنا هو الباحثين العرب. إذ كيف تحركت ضمائر كتاب غربيين – وإن كانوا قلة – لفضح هذا التزوير الفادح في تاريخ الإنسانية، وكتّابنا العرب لم تهتز لهم قصبة؟. بل وبمتابعة الأنباء الواردة من “إسرائيل”، نجد أن هناك مجموعة من الباحثين اليهود كــ”زئيف هرتسوغ” قد ضجت لهذا الكم الهائل من التزوير.

إن صورة الأمة في ذهن الغرب، قد رسمت على جبهات وحقب مختلفة، ونظراً لسعة المساحة التي نحاول تغطيتها في البحث الموسع والذي يعد هذا الموضوع مقدمة له، فقد قمنا بتقسيمه على ثلاثة محطات رئيسية وخاتمة، لقد فرض علينا موضوع البحث الرجوع للماضي لفترة الاحتكاك المباشر أبان الحروب الصليبية وحقبة الأندلس نظراً للتشابه الكبير بين عناصر الصورة في الماضي والحاضر، بل وتشابه التزوير وإن اختلفت تفاصيله نظراً للموضع الذي كانت أوروبا تحتله حينها بالنسبة للعرب مقارنة بالوقت الحاضر. ثم عرجنا على “دولة إسرائيل” والخلفية التي تم التأسيس لها من خلال التزوير، ثم الأدوار التي لعبتها وتلعبها مختلف الأطراف لترسيخ ودعم التزوير.

نكران الجميل

التاريخ يؤكد بأن العرب لم ينكروا جميل صنع الغرب، إذ لم يكن للغرب حسن صنع معهم أبداً، والحقيقة أن الغرب هو الذي جحد جميل الصنع وتنّكر لمن علّمه وأدّبه، ورفع منظومة قيمه وفنه. فالعرب الأساتذة قد حاولوا بصدق وإن لم تنجح تلك المحاولات أن يعلّموا الشعوب الأوروبية التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان. وان كان الحديث اليوم عن الوطن العربي وجميله على الغرب يعتبر من المحرمات في الغرب، إلا أن الحقيقة أنه لم يكن للمدنية وجود في الغرب قبل الأندلس، ذلك ما يؤكده جميع المؤرخين، حيث أنها تحولت خلال فترة حكمهم من بلد فقير مستعبد إلى بلد عظيم مثقف، أهدى لأوروبا سبل نهضتها وشق طريقها للتخلص من الأنظمة المتخلفة التي تعاقبت عليها.

فالعلاقة بين العرب والغرب كانت باستمرار علاقة عطاء من جانب العرب وإن أشكل علينا البعض بأن الغرب قد تحول مع الزمان من جهة المتلقي إلى العطاء، ولو أمعّنا النظر ودققنا في ما يصدر لنا اليوم من تقنية وبضائع في عصرنا الحاضر لوجدنا أنه سعيٌ حثيث لتحويل أمتنا إلى أكبر سوق استهلاكي للبضائع التي تنتجها مكنة الصناعة الغربية، فالتقنية العالية محظورة، الصناعات المتقدمة محظورة، والنفط الذي حبانا الله به هو المنتج الوحيد لدينا ، يُفرض علينا سعره وسياسات تسويقه، ونجد أن هناك سعياً حثيثاً لدى الدول الغربية في تسويق الأسلحة المتطورة لبلداننا العربية والإسلامية بعد تجريدها من أية مميزات تقنية، لتضمن من خلالها إبقاء الأمة في حالة ضعف استراتيجي دائم، أو كلما احتاجت تلك الشركات لتعديل ميزانياتها لزيادة الأرباح، فالنتيجة على الدوام كانت اختلال ميزان القوى لصالح الأطراف الأخرى. العلاقة في الماضي كانت عطاء كامل من جهة العرب للغرب، تطورت اليوم إلى استعباد الأمة والهيمنة عليها.

إنّ الغرب الذي مدّنه العرب وحضّره ونقل إليه علومه وثقافته، امتدت يده للعبث بتاريخ الأمة فأخذ يتعامل مع التاريخ العربي كتاريخ قبائل بدوية متفرقة حتى يومنا هذا، ثم زاد على ذلك ولم يكتفِ بالجحود ونكران الجميل، بل أتبعه بجريمته الكبرى عندما كانت الدولة العثمانية في آخر عهدها، والأمة تئن تحت وطأة تراجع دورها الحضاري، فقام وبهدف تعطيل العقل العربي ومنعه من النهوض، بفصل عرب آسيا عن عرب أفريقيا، من خلال زرع ما عُرف حينها بالدولة الحاجزة، لتكون الموظف المطيع والحارس الدائم لمصالحه الاستعمارية، وهناك تم وضع حجر الأساس للمأساة التي تعيشها الأمة العربية منذ انهيار الدولة العثمانية وحتى يومنا هذا.

التزوير

عندما دخل العرب أسبانيا، أدخلوا معهم بحرًا زاخرًا من علومهم وخيراتهم، وتركوا أهلها وفق تعاليم دين الإسلام يتعبدون وفق قناعاتهم، بل إنهم لم يدخروا جهدا في تحويل هذا البلد إلى جنة أوروبا وشرفة الظلال كثيرة الخيرات على أطراف صحارى جهل أوروبا، وتقول زيغريد هونكة في هذا الصدد ” وليس من العجيب أن نتساءل لماذا نفسر كما يحلو لنا، والعرب قد احتلوا فعلا جزءًا من أوروبا هو الأندلس؟ فلم يقضوا على المسيحية التي يزعمون أن شارل مارتل قد حماها، ولم يقضوا على المدنية الغربية التي لم يكن لها وجود!! لقد حولوا الأندلس في مائتي عام حكموها من بلد جدب فقير مستعبد إلى بلد عظيم مثقف مهذب يقدّس العلم والفن والأدب، قدم لأوروبة سبل الحضارة وقادها في طريق النور”.

ما كان لنهضة أوروبا أن تكون من دون تلك العلوم الربانية التي أكرم الله بها البشرية من خلال الأمة المعلمة. مكارم الأخلاق، كانت إحدى الدروس التي تعلمها الغرب من العرب، وما كان لأوروبا أن تخرج من طور الهمجية إلا بفضل المعلمين العرب الأوائل، بل وأعطوا العالم نموذجا في توافق حرية الفكر مع استقامة الدين، فهذا غوستاف لوبون يقول “إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا، وإن جامعات الغرب لم تعرف لها مورداً علمياً سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدّنوا أوربا مادة وعقلاً وأخلاقاً، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه، إن أوربا مَدينة للعرب بحضارتها، والحق أن أتباع محمد كانوا يذلّوننا بأفضلية حضارتهم السابقة، وإننا لم نتحرر من عقدتنا إلا بالأمس ! وإن العرب هم أول من علّم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين، فهم الذين علّموا الشعوب النصرانية وإن شئت فقل حاولوا أن يعلموها التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان، ولقد كانت أخلاق المسلمين في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيراً من أخلاق أمم الأرض قاطبة “.

البحث العلمي الذي أصبح اليوم علامة فارقة وميزة يتمتع بها الغرب، كان أحد هدايا العرب للغرب الأوروبي، كما بقيت الكتب العربية هي المرجع الرئيسي في الجامعات الأوربية حتى القرن السابع عشر الميلادي. كانت اللغة العربية دليلاً هادياً لعلماء أوروبا للدخول إلى مختلف العلوم والتخصصات، وكان كبار علماء الغرب يعترف بهذه الحقيقة، وعلوم العرب التي انسابت من معابر صقلية والأندلس قد فتحت الأفاق أمام الغرب للخروج من عصر الظلمات ومحاكم التفتيش حيث كانت مدارس اللغة العربية تعجّ من التلامذة الأوروبيين الذين أخذوا يتوافدون عليها طمعاً ورغبة في هذا التخصص أو ذاك. ويذكر بريفولت في كتابه بناء الإنسانية “ولم يكن “بيكون” إلا رسولاً من رسل العلم والمنهج الإسلامي إلى أوربا المسيحية، وهو لم يَملّ قط من التصريح بأن اللغة العربية وعلوم العرب هما الطريق الوحيد للمعرفة الحقة.

إن كثيرًا من الفلاسفة المتأخرين ينعى تلك الحقبة ويأسف على فوتها، فالكاتب الفرنسي الشهير أناتول فرانس يقول في كتابه (الحياة الجميلة): إن “أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة بواتييه “بلاط الشهداء” عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية أمام بربرية الفرنجة ، ألا ليت شارل مارتل قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي عبد الرحمن الغافقي”.

أمسى وليم هارفي وليس ابن النفيس هو مكتشف الدورة الدموية، بعد أن تقاذف اكتشافه السرّاق في أوروبا، وقد لا نستطيع اليوم مهما بذلنا من جهد من تتبع حقيقة التزوير وكمه وذلك لأسباب موضوعية سنعرض عن التطرق لها ولكننا لا ريب نستطيع الوقوف على نماذج منها قادرة على جعلنا نستوعب عمق الجريمة ومداها وإثرها على الإنسانية جمعاء. إن ثمة ما هو أدهى وأَمَرُّ من تزوير حقيقة مفردة ينسبها عالم إلى نفسه مثل ما فعل باكتشاف الدورة الدموية، هذا الأدهى والأمر هو عملية العبث بمصادر الحضارة العلمية للإنسان، أي كان انتماؤه وقوميته بغرض حرمان الأمة من تراثها وعلومها ومحوها من ذاكرة التاريخ. إنّ العربي ليحق له أن يتملكه شعور بالمرارة عندما يقلب صفحات التاريخ، شعور يتقد ويزداد وهو يسمع شعارات كلها نبلٌ في ظاهرها، وباطنها سم ناقع، فهناك وبعد خروج العرب المسلمين من الأندلس تمت المأساة، عمليات تزوير ضخمة للمخطوطات الإسلامية تجري على قدم وساق، حتى إذا ما اكتملت النسخ المزورة من المصادر العربية دست في مكتباتنا العربية في ما كان يمثل جريمة بحق الإنسانية وليس في حق العرب وحدهم.

الأعراق والسلالات

إلغاء الآخر مرض يصيب الأفراد في أي مجتمع من المجتمعات، وهو نتيجة اعتقاد الفرد بمحوريته وأن كل ما يراه هو عين الصواب، ورأي الآخر خطأ ينبغي تصويبه، ويلجأ الفرد المريض حينها لمحاولة تغيير الواقع بشتى الطرق، حتى لو أضطر لممارسة القوة القهرية إن فشلت محاولاته السلمية المختلفة إذا ما أمتلك من أسباب القوة والأدوات اللازمة لفرض رأيه أو تحقيق مطلب ما. استشراء هذا المرض في أي مجتمع من المجتمعات بين الأفراد يؤدي في الغالب إلى تحول هذا المرض إلى حالة مرضية جماعية يُبتلى به المجتمع برمتّه. ومن هنا يلحظ الباحث كيف تفتقت قريحة علماء أوروبا عندما نهضت، بمقولة الجنس الأوروبي المتفوق.

من خلال متابعة تصريحات المسئولين الغربيين المتسمة بالقوة والاستعلاء، يقف المثقف العربي متأملاً ويقع في حيرة من أمره، فالعربي الذي يعرف تاريخه وثقافته وحضارته ودينه لا يستطيع هضم هذه التقسيمات وصكوك الغفران التي توزَع حسب المصالح السياسية للدول، فنرى أثار هذه النظريات الزائفة تتمثل في مظاهر متعددة، فمن جورج بوش الجد ( 796 – 1859 ) – راع وواعظ لإحدى الكنائس إنديانا بوليس وأستاذًا في اللغة العربية والآداب الشرقية في جامعة نيويورك – والذي يصف في كتاب له العرب والمسلمين بأنهم أعراق منحطة وحشرات وجرذان وأفاع، إلى جورج بوش الابن الذي يقول “من لم يكن معنا فهو ضدنا”، ويقسّم العالم إلى محاور هذا محور خير وذاك محور شر، متجاهلا تلك الشعوب وحقوقها في إبداء رأيها واتخاذ ما تراه مناسبا لحاضرها ومستقبلها، يتبادر إلى الأذهان سؤال عن ماهية هذه الثقافة التي تَغذى بها هو وأسلافه من الرؤساء الغربيين، والذين لم يكونوا أفضل حال منه، وللتوصل إلى إجابة على هذا السؤال كان لابد من تقليب صفحات التاريخ القديم والحديث في محاولة لفهم التركيبة المثيرة لنمط التفكير الغربي.

لقطات من تاريخنا الحديث تجبرنا على التوقف والتأمل، في أفغانستان عندما قتلت القوات الأمريكية بطريق الخطأ مجموعة من الأفغان الأبرياء كانوا يحتفلون بعرس خلال الحملة الغربية على أفغانستان بحثًا عن أسامة بن لادن، أعطوا كلَّ ضحية مائتي دولار، بينما كانت التعويضات التي جاهدوا للحصول عليها عن ضحايا لوكربي بلغت عشرة ملايين لكل ضحية، ويطالبون الآن لضحايا 11 سبتمبر بتعويضات قدرها عشرون ألف مليون دولار. لا نورد هذا المثال لكي نقول أن الإنسان الغربي لا يستحق تلك الملايين العشرة التي يطالبون بها، فهذا الإنسان (الأمريكي أو الأفغاني) الذي زُهقت روحه خلال تلك العمليات هو إنسان برئ قد دفع ثمن معارك الآخرين، ولا نرى أن هذه الملايين تُعد ثمنا عادلا نظراً لما سببته على الضحايا وذويهم من ويلات، ولكن ما يستوقفنا هنا، لماذا يكون ثمن الأفغاني 200 دولار والغربي 10 ملايين دولار؟.

مقولة الجنس المتفوق للشعوب الغربية وتقسيم العالم لأعراق وسلالات راقية ومتخلفة، كانت عملاً همجياً دفعته الأطماع الاستعمارية للدول الغربية، كان للباحثين الألمان والنظريات التي ابتدعوها دور الريادة فيه، وإنّ إهمال هذا الخطأ وهذه التقسيمات العرقية الخاطئة والمزورة، والخصوصية التي رأى الغرب فيها نفسه بعد أن نهض بالعلوم العربية، أوقع ومازال يوقع البشرية عموما والعرب بشكل خاص في الكثير من المظالم وعلى جميع الأصعدة. العرب الذين نهلوا من مدرسة معلم البشرية النبي محمد (ص) وتعلموا منها أن ” كلكم لآدم وآدم من تراب” و(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ، أضحوا هم المستهدفين من هذه النظريات الزائفة.

التراث العربي كلّه لم يحمل أية إشارة إلى نزعة عنصرية حملها العرب تجاه الأمم الأخرى، ولم يذكر المؤرخون أن هذه المنطقة شهدت بذرة شعور بالتفوق والتميز العرقي لشعب هذه المنطقة. كانت هناك حروب ونزاعات اتخذت طابعاً عنصرياً كالحرب العراقية الإيرانية في العصر الحديث، إلا أن هناك إجماعاً لدى المراقبين أن هذه الحرب أشعلتها وغذت استمراريتها المصالح السياسية لدى الأطراف المستفيدة من تفتيت الأمة وإشغالها ببعضها البعض، وخلق الضغائن والحواجز النفسية بين أبناء الشعب الواحد. فتاريخ هذه المنطقة كان مسرحاً لوحدة سكانية وحضارية ولغوية واحدة منذ أقدم العصور وامتدت لآسيا الصغرى، ويقول بيير روسي في تعريفه للحضارة العربية ” إن الحضارة العربية بطبيعة الأمر شاملة، فقد ولدت في حيز جغرافي مترامي الأطراف، من بلاد الرافدين إلى مصر وشمال إفريقيا، بل إلى آسيا الصغرى حتى إندونيسيا…” ، ويقول الدكتور أحمد داوود في تعريفه لامتدادها الجغرافي ” يجمع علماء التاريخ والجغرافيا الأقدمون أنّ جزيرة العرب، أو بلاد العرب، كانت تشمل كل الرقعة الممتدة من البحر الأعلى (الأسود) شمالا إلى البحر الأدنى (بحر العرب) جنوبا، وقد تمتعت هذه المنطقة بوحدة سكانية ولغوية وحضارية منذ أقدم العصور”.

إن المشروع القومي الذي نهضت به بعض الأحزاب في الوطن العربي في العقود الأخيرة والذي لم يكتب له النجاح والاستمرار، إنما جاء في جزء نتيجةً لانطلاء التزوير الغربي واليهودي للتاريخ العربي على الكثير من المثقفين العرب، ونتيجة غفلة أصحاب هذا المشروع عن العمق الحضاري لأمتنا، فتمت صياغة المشروع القومي بشكل تم فيه تجاهل المكونات الحقيقية للعروبة، مما أعطى مؤشراً خاطئاً حول التعارض والتضارب بين العروبة والإسلام، خسرت بسببه الأمة الكثير من الطاقات والموارد البشرية والمادية والتي كان من الأجدى أن تتوحد في حركة تاريخية تعيد للأمة هيبتها.

تأسيس دولة الكيان الصهيوني

من مظاهر هذه الصورة ما نقرؤه للقس الأصولي المسيحي الصهيوني مايكل إيفانز “إنّ إسرائيل تلعب دوراً حاسماً في المصير الروحي السياسي لأمريكا‏”. و جيري فالويل زعيم إحدى أهم منظمات “المسيحية الصهيونية”، مؤسس جماعة العمل السياسي الأصولي (الأغلبية الأخلاقية) في قوله “إن اليهودي هو بؤبؤ عيني الله، ومن يؤذي اليهودي كأنه يضع إصبعه في عين الله”، لا أعتقد أن في وسع أمريكا أن تدير ظهرها لشعب إسرائيل وتبقى في عالم الوجود، والرب يتعامل مع الشعوب بقدر ما تتعامل هذه الشعوب مع اليهود. إن من يؤمن بالكتاب المقدس حقاً يرى المسيحية ودولة إسرائيل الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم”.إذن هناك علاقة عقائدية وثيقة، وأن الواجب الإلهي والأخلاقي يفرض على الغرب المسيحي أن يقف مع هذه الدولة.

أسسوا هذا الكيان على قاعدة من الأكاذيب والافتراءات بعد أن هيمنت الصهيونية العالمية على وسائل الإعلام في الغرب، فبعد تفكيك تاريخ الأمة وتقطيع أوصاله نسبوا تلك الآثار العظيمة والتاريخ المجيد إلى أجداد اليهود، الذين لم يكن لهم وجود، حتى غدا تمثال أبو الهول في مصر وادي النيل “تراث الأجداد” حسب تعبير الصهيوني مناحيم بيجين.

وعندما احتاجوا لاختلاق مسمى أمة (الأمة اليهودية)، كان عليهم اختلاق مكوناتها، فالأمة بحاجة إلى تاريخ وجغرافيا ولغة، فبعد مصادرة التاريخ العربي، قاموا بإسقاط كل أسماء القبائل والعشائر اليهودية المتخلفة التي عاشت في جزيرة العرب على المناطق الواقعة جنوب سوريا (فلسطين)، ولكي تكتمل مكونات الأمة أوعزوا إلى الأديب اليهودي الروسي (يهوذا بن اليعازر) بتأليف لغة من اللهجات العربية القديمة أسموها “اللغة العبرية”. أي أنهم بلعوا أمة في وضح النهار إن صح التعبير، ولعل ذلك يذكرنا بقول نبي الله عيسى (ع) فيهم “أيها القادة العميان الذين يعفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل ، ويلاً لكم أيها الكتبة الحريفيون المراءون” .

لقد عاش اليهود على الدوام في أوروبا حالة من الحصار والانعزالية بسبب طبيعة الأعمال التي كانوا يزاولوها من جانب وتحميل الكنيسة لهم مسؤولية صلب المسيح (ع) من جانب آخر، مما أوجد شعورا مسيحياً عاما بالكراهية تجاههم، وما مقولة (شعب بلا أرض….) إلا مظهرا من مظاهر هذه الكراهية، فاليهود في أوروبا كانوا أوروبيين، بمعنى أن اليهودي في بريطاني كان بريطانياً واليهودي في ألمانيا كان ألماني الجنسية والعرق والنسب وأرضه هي موطنه، فكيف تم اعتبارهم شعباً بلا أرض؟

ونحن نكتب هذه الصفحات، يكون قد مرّ على مؤتمر لندن الاستعماري مائة عام. في هذا المؤتمر الذي دعت إليه بريطانيا العظمى (حينئذ)، وانعقد من عام 1905 حتى عام 1907، تم الاتفاق على مجموعة من القرارات، تسببت في ما آل إليه حال الأمة، وإلى يومنا هذا، ضمَّ هذا المؤتمر نخبة من أساتذة الجامعات في شتى العلوم والمجالات كالاقتصاد والتجارة والبترول والزراعة والتاريخ والاجتماع، ” واشتركت فيه لجنة تمثل كل الإمبراطوريات الاستعمارية القائمة آنذاك. ومن أعضائها: البروفيسور جيمس مؤلف كتاب (زوال الإمبراطورية الرومانية) ولوى مادلين مؤلف كتاب “نشوء وزوال إمبراطورية نابليون والبروفسور ليستر ولسنج، وسميت ودترتنج وزهروف”. “ورفع المؤتمر في 1907م توصية عاجلة في ختام أعماله إلى رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت “كامبل بنرمان” نصت على “أن إقامة حاجز بشري وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ويربطهما معا بالبحر المتوسط بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها؛ هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة”

لقد كان واضحاً من التقرير أن أوروبا كانت بحاجة لحلول تتعامل مع مختلف القضايا التي أثارها التقرير وهي متشعبة، حضاريًا واقتصاديّا واسترتيجيّا:

ففي المنطقة، قناة السويس وهي شريان حياة أوروبا، فلابد من السيطرة على هذا الشريان.
فيها شعب واحد تهاب أوروبا من توحده، فلابد من تقسيمه وترسيخ التجزئة.
له وحدة تاريخ عريق، فلابد من تزويره. له وحدة لسان، فلابد من التعامل مع هذا المكون الحضاري.
كان الخوف من دخول الوسائل الفنية الحديثة، فلابد من حصارها تقنياُ.
وفيها الثروات الطبيعية، فلابد من السيطرة عليها.
وكان الخوف من التعليم والثقافة فكان لابد من التعامل معه.
تم ترسيخ التزوير تارة عبر موقف الغرب المسيحي من خلال الكنيسة وموقفها الذي شمل ضمّ التوراة للإنجيل وأمور أخرى، وتارة عبر مساهمتنا نحن العرب والمسلمين من دون وعي وإدراك بخطورة هذا التزوير، ساهمنا ونساهم في توجيه الطعن لأنفسنا والأمة تمر بأحلك ساعاتها، للأسف تم ذلك عبر المثقفين العرب والتفاسير المليئة بالإسرائيليات.

تشكيل الوعي الغربي وإعادة رسم الصورة النمطية عن الشعب العربي المسلم في مناهج التعليم الغربية كان أحد العوامل التي ساهمت بقوة في ترسيخ ودعم تزوير تاريخ وتراث الأمة، فبعد أن صاغوا لهم الأساطير على جوهر أساطير وتراث الأمة من أجل هزيمتها بها، عملوا وفق مخطط محكم على هندسة مناهج التعليم في الغرب بصورة تخدم ما قاموا به من تزوير وأدلجة، ليصوغوا عقول أبنائهم.

أمّا مناهج التعليم العربية فكان لها دور آخر. وعندما نتحدث عن المناهج، فإننا نعني مستقبل الأمة، وإذا كانت المناهج هي المضامين العلمية والآليات التربوية التي تُكون شخصية الأفراد، فهي بالتالي آليات تربوية لتكوين شخصية الأمة التي تجمع هؤلاء الأفراد. ومن هنا ينبغي أن ينبع الحرص على هذه الآليات، والحذر من التلاعب بهذه المناهج، التي ستحدد ملامح شخصية أبنائنا والأجيال القادمة. إنها لمسئولية تاريخية تقع على عاتق جميع الرسميين العرب من قادة ومسئولين، ليس فقط بالوقوف الجاد في وجه أي تحرك يُراد به محو ما تبقى من تراث أصيل في ذاكرة الأمة، بل العمل على إعادة التوازن إلى هذه الذاكرة عبر عملية تصحيح كبرى ينقح فيها التزوير والتحريف، ويرجع الحق إلى أصحابه.

المثقفون العرب أيضًا كانوا ضحية ما تم التخطيط له في الدوائر الاستعمارية الغربية، وعندما قررنا القيام بهذا البحث، لم يكن متاحا لنا التغاضي عمّا فعله المثقفون العرب، بحسن نية ومن دون قصد، بحق أنفسهم وبحق أمتهم. فالمثقفون العرب أخذوا يرددون على مسامعنا التاريخ المزور كما يُروى في الغرب، من غير تمحيص وغربلة، في حين أنه كان حريًا بهم أن يتحركوا لإرجاع هيبة الأمة التي تم السطو على تراثها. أخذوا يعيدون تدوير ما يقرءون في كتب المؤرخين الغربيين ليلقوه على مسامعنا، لتتشبع به أسماع أولادنا، فنكرر ما يقولون، لنمسي من دون تاريخ.

هناك أمران رئيسيان في أزمة المثقف العربي في موضوع بحثنا، الأمر الأول خاص بشخصية المثقف العربي، والثاني بالأرضية المعرفية التي يقف عليها ويتزود منها. ففي الأول نشاهد التقصير النابع من شغف النقل للمعلومة من دون غربلة وتمحيص، ومن دون إدراك للنتائج المترتبة على هذا النقل. وفي الثاني هو ما أطلقنا عليه بـ”البنية التحتية الثقافية”، وتشمل التاريخ الذي تعرض للتزوير، ومنها الحوامل الرئيسية، كالحامل المكاني والحامل السكاني وغيرها، ومنها أيضا ما عُرف بالإسرائيليات، والتي سنتطرق لها في المحور الثاني. انطلاقا من هذه البنية التحتية (أو قاعدة البيانات) يتزود كتابنا ومثقفونا معرفتهم، فتصدر تلك المقولات التي تُستخدم بشكل عفوي في الأدبيات السياسية اليومية وغيرها، كحال الدكتور الذي أشرنا إليه أعلاه. ويقول الدكتور أحمد داوود في هذا الصدد ” إن الصهاينة يفعلون كل هذا التزوير مستندين على واقع راهن وهو أن العرب مازالوا نقلة للتاريخ وليسوا باحثين أو قارئين له، وبالتحديد إنهم ينقلون ما يدونه خصوم التاريخ العربي في الخارج دونما أية محاكمة أو بحث.

الإسرائيليات

وهو ما نعني به “الدس اليهودي في تفاسير القرآن الكريم” وهذا يشمل أولا الدسّ المخطط له في المخطوطات الأصلية، وثانيا النقل الذي يقوم به بعض المفسرين المسلمين عن التوراة المحرفة لتفسير الآيات القرآنية بحسن نية… إلا أنها قد أضرت كثيرا، وأصبح اليهود اليوم يستخدمونها كحجة في تبرير الكثير من أفعالهم بحق أمتنا.

لقد كان اليهود في المدينة المنورة شوكة في خاصرة الدعوة المحمدية، ولقد حذر منهم رسول الرحمة (ص) أيّما تحذير وقد كانوا مبعث حزنه وألمه لِما كانوا يقومون به من أعمال لحرف الرسالة المحمدية، وكتب التاريخ مليئة بقصصٍ فيها الكثير من العِبر لمن شاء أن يعتبر.أن تنقية وغربلة تفاسير القرآن الكريم من الإسرائيليات واجب على جميع علماء الأمة، علماء الفقه وعلماء الفيزياء وعلماء الكيمياء وعلماء الجيولوجيا والطب والأحياء وغيرها من التخصصات المختلفة، فهذا الكتاب المقدس الذي حُفظ من العبث بإرادة السماء يحمل في طياته مفاتح العلوم التي تحتاجها البشرية، وقد كُلِّفت هذه الأمة من قِبل الباري عزّ وجّل بتعليمه للناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وحفظاً لهذه الأمانة الربانية يتوجب على الأمة أن تعمل وبلا كلل لتطهير تفاسير المسلمين من دَنَس هذا الدس الرخيص.

الخلاصة

بدأنا حديثنا عن الصورة النمطية التي تم غرسها في أذهان الشعوب الغربية عن أمتنا، والتي تم بثها عبر المنافذ التعليمية وفق منهج سيطرت عليه الأطماع الاستعمارية، ووجهته لمصالحها، كان الصد عن سبيل الله أحد ابرز نتائجه، بعد حصار الأمة المُعلمة، والتي كانت على الدوام منهلاً للأمم. أُقحم الدين والتاريخ للسيطرة على عقول الناس ومن أجل إعمار دنيا المزورين، أُدخل الأنبياء عليهم السلام في أتون معركة كانوا من أشد المحذرين منها، زورت رحلاتهم وتحركاتهم وأقوالهم وأفعالهم، وذلك عندما انسلخ الإنسان عن فطرته النقية، التي فُطر عليها. أقيمت اليوم حضارة تسيطر على العالم ومقدرات بني آدم على رفات من مدّ يد العون لها يوماً، ومن دون منّة، إلا تلبيةً لنداء خير البرية بحب العمل للناس، وبالبر لعباد الله أينما كانوا.

الأثر الموجي لهذه الصورة لا زال يهز كيان أمتنا، وسيبقى، ما دامت الأمة في سباتها، وسيخرج جيل من أبنائنا وأحفادنا يوجه اللعن تلو اللعن… للآباء، إن لم يتحرك هؤلاء الآباء اليوم، وقبل أن يُحرق ما بقي من شذرات تثبت حقيقة تاريخنا والتزوير الذي تعرض له، بل والعبث بأعز ما نحيا به، ألا وهي عقائدنا ومقدساتنا. لقد خلع الغرب على العرب لبوسه، وتنكر لمن علّمه وأدّبه، على مرأىً ومسمع من كتابنا ومثقفينا، أضحى من تعلّم ونهض بالعلوم الربانية، والتي كان أجدادنا رسلاً حملوها لسعادة البشرية ورفعتها، يوجه السهام الواحد تلو الآخر، ونحن مشغولون ببعضنا البعض، لا تهتز لنا قصبة، لم نلحظ ردّ فعل يبرئ مثقفينا العرب أمام الأجيال القادمة.

المسلّمات التي تُعشعش في عقول الشعوب الغربية عن أمتنا، مهولة مضحكة ومبكية، إلا أن المدهش هو أنها لم تستثر أية مؤسسة عربية أو إسلامية للقيام بمبادرة ما، للتحذير والتنبيه من خطورتها على واقعنا ومستقبلنا، وكل المبادرات الرسمية العربية في هذا الإطار كانت تحطّ على الدوام حيثما حطّت كل القرارات الرسمية العربية الأخرى، في محطة الصمت والنسيان، في تجاهل عجيب وغير مبرر، تذكرنا بتحذير النبي محمد (ص) ” يوشِكُ الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: و من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قال قائل يا رسول الله وما الوهن؟ قال حبّ الدنيا وكراهية الموت. “.

الأدب الذي يُعد العرب سادته، والذي يلعب الدور الأكبر في التعبير عن بنية المجتمعات بكل ما تنطوي عليه من أفكار وآمال وإشكالات، أعدّته الحركة الصهيونية ليكون حاملاً أساسيا لأيدلوجيتها في معركة التزوير الذي تعرض له تاريخنا، فاستطاع الخطاب الصهيوني أن يقّسم شعوب المنطقة، في ذهنية الشعوب الغربية، إلى مجتمع إسرائيلي ـ حضاري ـ متطور ـ حر ومعطاء، ومجتمع عربي ـ متخلف ـ همجي وجاهل. استطاعت الحركة الصهيونية من خلال هذا الحامل (الأدب) تثبيت صورة لليهود الذين غزو المنطقة من بلدانهم الأوروبية، على أنهم شعب مضطهد ومهدد من قبل العرب الإرهابيين ويحق له الدفاع عن نفسه، ولم يعد للشعب الفلسطيني المضطهد أية حقوق.

وختاما نقول، إن كان يصعب على الأمة في هذه المرحلة الحرجة والحساسة من تاريخها أن تعمل على تغيير جميع مخرجات هذه النوافذ التعليمية لخضوعها لسيطرة القوى المعادية للأمة، فإن ذلك لا يعفي على أقل تقدير المفكرين والمثقفين العرب من مسؤولية البدء في صياغة حلٍ تُدعى له كافة المؤسسات العربية والإسلامية لإنقاذ تاريخ الأمة وإرجاع هيبتها.